فهرس الكتاب

الصفحة 2844 من 8321

في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } عطف على قوله: { قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ ءَازَرَ } وقوله: { وَكَذَلِكَ نُرِى } جملة وقعت اعتراضًا بين المعطوف والمعطوف عليه .

المسألة الثانية: قال الواحدي C: يقال جن عليه الليل وأجنه الليل ، ويقال: لكل ما سترته جن وأجن ، ويقال أيضًا جنه الليل ، ولكن الاختيار جن عليه الليل ، وأجنه الليل . هذا قول جميع أهل اللغة ، ومعنى { جَنَّ } ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن ، وهو المقبور . والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار ، وقال بعض النحويين: { جَنَّ عَلَيْهِ اليل } إذا أظلم عليه الليل . ولهذا دخلت «على» عليه كما تقول في أظلم . فأما جنه فستره من غير تضمين معنى { أَظْلَمَ } .

المسألة الثالثة: اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد ، فحبلت أم إبراهيم به وماأظهرت حبلها للناس ، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر ، فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام ، فكانت الأم تأتيه أحيانًا وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له ربًا ، فسأل الأم فقال لها: من ربي؟ فقالت أنا ، فقال: ومن ربك؟ قالت أبوك ، فقال للأب: ومن ربك؟ فقال: ملك البلد . فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئًا يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء . فقال: هذا ربي إلى آخر القصة . ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال: إن هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه ، ومنهم من قال: إن هذا كان قبل البلوغ . واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه:

الحجة الأولى: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء .

الحجة الثانية: أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل . والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر: { أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءالِهَةً إِنّى أراك وقومك في ظلال مبين } [ الأنعام: 74 ] .

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال: { ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا } [ مريم: 42 ] وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش . ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام . فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مرارًا وأطوارًا ، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه . فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت