هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما ، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، لأن في آخرها قوله تعالى: { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الذاريات: 60 ] وهذه السورة في أولها { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [ الطور: 11 ] وفي آخر تلك السورة قال: { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا } [ الذاريات: 59 ] إشارة إلى العذاب وقال هنا { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } [ الطور: 7 ] وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ما الطور ، وما الكتاب المسطور؟ نقول فيه وجوه: الأول: الطور هو جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام الثاني: هو الجبل الذي قال الله تعالى: { وَطُورِ سِينِينَ } [ التين: 2 ] الثالث: هو اسم الجنس والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود ، وأما الكتاب ففيه أيضًا وجوه: أحدها: كتاب موسى عليه السلام ثانيها: الكتاب الذي في السماء ثالثها: صحائف أعمال الخلق رابعها: القرآن وكيفما كان فهي في رقوق ، وسنبين فائدة قوله تعالى: { فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } وأما البيت المعمور ففيه وجوه: الأول: هو بيت في السماء العليا عند العرش ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة الثاني: هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج الطائفين به العاكفين الثالث: البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة ، { والسقف المرفوع } السماء ، { والبحر المسجور } ، قيل الموقد يقال سجرت التنور ، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج ، وقيل هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان .
المسألة الثانية: ما الحكمة في اختيار هذه الأشياء؟ نقول هي تحتمل وجوهًا: أحدها: إن الأماكن الثلاثة وهي: الطور ، والبيت المعمور ، والبحر المسجور ، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله ، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام ، والبيت محمد A ، والبحر المسجور يونس عليه السلام ، والكل خاطبوا الله هناك فقال موسى: { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } [ الأعراف: 155 ] وقال: { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف: 143 ] وأما محمد A فقال: « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك » وأما يونس فقال: { لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } [ الأنبياء: 87 ] فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب ، فحلف الله تعالى بها ، وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب واقترانه بالطور أدل على ذلك ، لأن موسى عليه السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور ، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد A ثانيها: وهو أن القسم لما كان على وقوع العذاب وعلى أنه لا دافع له ، وذلك لأن لا مهرب من عذاب الله لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه ، ففي بعض الأوقات يتحصن بمثل الجبال الشاهقة التي ليس لها طرف وهي متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن بها من أمر الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام