فهرس الكتاب

الصفحة 7564 من 8321

ثم إنه تعالى لما حكى كلام نوح عليه السلام قال بعده: { مّمَّا خطاياهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: ( ما ) صلة كقوله: { فَبِمَا نَقْضِهِم } [ النساء: 155 ] { فَبِمَا رَحْمَةٍ } [ النساء: 159 ] والمعنى من خطاياهم أي من أجلها وبسببها ، وقرأ ابن مسعود: { من خطيآتهم ما أغرقوا } فأخر كلمة ما ، وعلى هذه القراءة لا تكون ما صلة زائدة لأن ما مع ما بعده في تقرير المصدر .

واعلم أن تقديم قوله: { مّمَّا خطاياهم } لبيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان ( فإدخالهم النار ) إلا من أجل خطيآتهم ، فمن قال من المنجمين: إن ذلك إنما كان بسبب أنه انقضى في ذلك الوقت نصف الدور الأعظم ، وما يجري مجرى هذه الكلمات كان مكذبًا لصريح هذه الآية فيجب تكفيره .

المسألة الثانية: قرىء { خطيئاتهم } بالهمزة وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها و { خطاياهم } و { خطيئاتهم } بالتوحيد على إرادة الجنس ، ويجوز أن يراد به الكفر . واعلم أن الخطايا والخطيئآت كلاهما جمع خطيئة ، إلا أن الأول جمع تكسير والثاني جمع سلامة ، وقد تقدم الكلام فيها في [ البقرة: 58 ] عند قوله: { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } وفي [ الأعراف: 161 ] عند قوله: { خطيئاتكم } المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله: { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا } وذلك من وجهين الأول: أن الفاء في قوله: { فَأُدْخِلُواْ نَارًا } تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة ، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء الثاني: أنه قال: { فادخلوا } على سبيل الإخبار عن الماضي . وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك ، قال مقاتل والكلبي: معناه أنهم سيدخلون في الآخرة نارًا ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصحة كونه وصدق الوعد به كقوله: { ونادى أصحاب النار } [ الأعراف: 50 ] { وَنَادَى أصحاب الجنة } [ الأعراف: 44 ] واعلم أن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل . فإن قيل: إنما تركنا هذا الظاهر لدليل ، وهو أن من مات في الماء فإنا نشاهده هناك فكيف يمكن أن يقال: إنهم في تلك الساعة أدخلوا نارًا؟ والجواب: هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذي كان موجودًا من أول عمره ، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره ، ثم إن أجزاءه دائمًا في التحلل والذوبان ، ومعلوم أن الباقي غير المتبدل ، فهذا الإنسان عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باق من أول عمره إلى الآن ، فلم لا يجوز أن يقال: إنه وإن بقيت هذه الجثة في الماء إلا أن الله تعالى نقل تلك الأجزاء الأصلية الباقية التي كان الإنسان المعين عبارة عنها إلى النار والعذاب .

ثم قال تعالى: { فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ الله أَنصَارًا } وهذا تعريض بأنهم إنما واظبوا على عبادة تلك الأصنام لتكون دافعة للآفات عنهم جالبة للمنافع إليهم ، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام ، وما قدرت تلك الأصنام على دفع عذاب الله عنهم ، وهو كقوله: { أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا } [ الأنبياء: 43 ] واعلم أن هذه الآية حجة على كل من عول على شيء غير الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت