المسألة السادسة: هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم ، ثم إنها انتقلت عن قوم نوح إلى العرب ، فكان ود لكلب ، وسواع لهمدان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير ولذلك سمت العرب بعبد ود ، وعبد يغوث ، هكذا قيل في الكتب ، وفيه إشكال لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان ، فكيف بقيت تلك الأصنام ، وكيف انتقلت إلى العرب ، ولا يمكن أن يقال: إن نوحًا عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيًا منه في حفظها .
المسألة السابعة: قرىء: { لاَ تَذَرُنَّ وُدًّا } بفتح الواو وبضم الواو ، قال الليث: ود بفتح الواو صنم كان لقوم نوح ، ود بالضم صنم لقريش ، وبه سمي عمرو بن عبد ود ، وأقول: على قول الليث وجب أن لا يجوز ههنا قراءة ود بالضم لأن هذه الآيات في قصة نوح لا في أحوال قريش وقرأ الأعمش: { ولا يغوثا ويعوقا } بالصرف وهذه قراءة مشكلة لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف ، إما التعريف ووزن الفعل ، وإما التعريف والعجمة ، فلعله صرفهما لأجل أنه وجد أخواتهما منصرفة ودا وسواعا ونسرا .
واعلم أن نوحًا لما حكى عنهم أنهم قالوا لأتباعهم: { لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ } قال: { وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا } فيه وجهان: الأول: أولئك الرؤساء قد أضلوا كثيرًا قبل هؤلاء الموصين ( بأن يتمسكوا ) بعبادة الأصنام وليس هذا أول مرة اشتغلوا بالإضلال الثاني: يجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى الأصنام ، كقوله: { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } [ إبراهيم: 36 ] وأجرى الأصنام على هذا القول مجرى الآدميين كقوله: { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ } [ الأعراف: 195 ] ، وأما قوله تعالى: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلًا } ففيه سؤالان:
الأول: كيف موقع قوله: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين } ؟ الجواب: كأن نوحًا عليه السلام لما أطنب في تعديد أفعالهم المنكرة وأقوالهم القبيحة امتلأ قلبه غيظًا وغضبًا عليهم فختم كلامه بأن دعا عليهم .
السؤال الثاني: إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله في أن يزيد في ضلالهم؟ الجواب: من وجهين: الأول: لعله ليس المراد الضلال في أمر الدين ، بل الضلال في أمر دنياهم ، وفي ترويج مكرهم وحيلهم الثاني: الضلال العذاب لقوله: { إِنَّ المجرمين فِى ضلال وَسُعُرٍ } [ القمر: 47 ] .