فهرس الكتاب

الصفحة 3030 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أمر محمدًا A بالتوحيد المحض ، وهو أن يقول: { إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } إلى قوله: { لاَ شَرِيكَ لَهُ } أمره بأن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد ، وتقريره من وجهين: الأول: أن أصناف المشركين أربعة ، لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله ، وعبدة الكواكب أشركوا بالله والقائلون: بيزدان ، وأهرمن وهم الذين قال الله في حقهم: { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } [ الأنعام: 100 ] أشركوا بالله والقائلون: بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته ، أشركوا أيضًا بالله ، فهؤلاء هم فرق المشركين ، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل ، وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بأن الله سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ، ولكل ما في العالم من الموجودات ، وهو الخالق للأصنام والأوثان بأسرها . وأما عبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها وموجدها . وأما القائلون بيزدان ، وهرمن فهم أيضًا معترفون بأن الشيطان محدث ، وأن محدثه هو الله سبحانه . وأما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون بأن الله خالق الكل ، فثبت بما ذكرنا أن طوائف المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء .

إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد: { قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربًا غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء ، وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكًا للرب وجعل العبد شريكًا للمولى ، وجعل المخلوق شريكًا للخالق؟ ولما كان الأمر كذلك ، ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد ، ودين باطل .

الوجه الثاني: في تقرير هذا الكلام أن الموجود ، إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته وثبت أن الواجب لذاته واحد ، فثبت أن ما سواه ممكن لذاته ، وثبت أن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى ربًا لكل شيء .

وإذا ثبت هذا فنقول: صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكًا للرب وجعل المخلوق شريكًا للخالق فهذا هو المراد من قوله: { قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب ، فقال: { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } ومعناه أن إثم الجاني عليه ، لا على غيره { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، ثم بين تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى ، فهو قوله: { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت