فهرس الكتاب

الصفحة 6155 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذهب الكفار أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار ، وذكر صاحب «الكشاف» في قوله: { فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتم عَلَيْهِ بفاتنين } قولين الأول: الضمير في { عَلَيْهِ } لله D معناه فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعًا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علم الله كونهم من أهل النار ، فإن قبل كيف يفتنونهم على الله؟ قلنا يفتنونهم عليه بإغوائهم من قولك فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه والوجه الثاني: أن تكون الواو في قوله: { وَمَا تَعْبُدُونَ } بمعنى مع كما في قولهم كل رجل وضيعته ، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته ، فكذلك جاز أن يسكت على قوله: { فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } لأن قوله: { وَمَا تَعْبُدُونَ } ساد مسد الخبر ، لأن معناه فإنكم مع ما تعبدون ، والمعنى فإنكم مع آلهتكم أي فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تتركون عبادتها ، ثم قال تعالى: { مَا أَنتم عَلَيْهِ } أي على ما تعبدون { بفاتنين } بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } مثلكم . وقرأ الحسن { صَالِ الجحيم } بضم اللام ووجهه أن يكون جمعًا وسقوط واوه لالتقاء الساكنين ، فإنه قيل كيف يستقيم الجمع مع قوله: { مَنْ هُوَ } قلنا { مِنْ } موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه .

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان ووسوسته ، وإنما المؤثر قضاء الله تعالى وتقديره ، لأن قوله تعالى: { فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين } تصريح بأنه لا تأثير لقولهم ولا تأثير لأحوال معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال ، وقوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره ، وذلك تصريح بأن المقتضي لوقوع هذه الحوادث حكم الله تعالى ، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب ، قال الجبائي: المراد أن الذين عبدوا الملائكة يزعمون أنهم بنات الله لا يكفرون أحدًا إلا من ثبت في معلوم الله أنه سيكفر ، فدل هذا على أن من ضل بدعاء الشيطان لم يكن ليؤمن بالله لو منع الله الشيطان من دعائه وإلا كان يمنع الشيطان ، فصح بهذا أن كل من يعصي لم يكن ليصلح عنه شيء من الأفعال والجواب: حاصل هذا الكلام أنه لا تأثير لإغواء شياطين الإنس والجن . وهذا لا نزاع فيه إلا أن وجه الاستدلال أنه تعالى بين أنه لا تأثير لكلامهم في وقوع الفتنة ، ثم استثنى منه ما في قوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة هو كونه محكومًا عليه بأنه صال الجحيم ، وذلك تصريح بأن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصول الشقاوة والسعادة . واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث المشهور وهو أنه حج آدم موسى ، قال القاضي هذا الحديث لم يقبله علماء التوحيد ، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على شيء من الذنوب ، لأنه إن كان آدم لا يجوز لموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه ، فكذلك كل مذنب . فإن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام ، فلماذا قال موسى عليه السلام في الوكزة هذا من عمل الشيطان ، إنه عدو مضل مبين؟ ولما قال فلن أكون ظهيرًا للمجرمين؟ ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم؟ ومن عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية ، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدريًا ، فلزمهم أن يكفروه ، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت