وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أكثر المفسرين على أن المراد من الإنسان ههنا إنسان واحد وهو أبو جهل ، ثم منهم من قال: نزلت السورة من ههنا إلى آخرها في أبي جهل . وقيل: نزلت من قوله: { أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْدًا } [ العلق: 9 ] إلى آخر السورة في أبي جهل . قال ابن عباس: كان النبي A يصلي فجاء أبو جهل ، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبي A ، فقال أبو جهل: والله إنك لتعلم أني أكثر أهل الوادي ناديًا ، فأنزل الله تعالى: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية } [ العلق: 17 ، 18 ] قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله ، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق فلا يليق به التكبر ، فهو عند ذلك ازداد طغيانًا وتعززًا بماله ورياسته في مكة . ويروى أنه قال: ليس بمكة أكرم مني . ولعله لعنه الله قال ذلك ردًا لقوله: { وَرَبُّكَ الأكرم } [ العلق: 3 ] ثم القائلون بهذا القول منهم من زعم أنه ليست هذه السورة من أوائل ما نزل . ومنهم من قال: يحتمل أن يكون خمس آيات من أول السورة نزلت أولًا ، ثم نزلت البقية بعد ذلك في شأن أبي جهل ، ثم أمر النبي A بضم ذلك إلى أول السورة ، لأن تأليف الآيات إنما كان يأمر الله تعالى ، ألا ترى أن قوله تعالى: { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } [ البقرة: 281 ] آخر ما نزل عند المفسرين ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل القول الثاني: أن المراد من الإنسان المذكور في هذه الآية جملة الإنسان ، والقول الأول وإن كان أظهر بحسب الروايات ، إلا أن هذا القول أقرب بحسب الظاهر ، لأنه تعالى بين أن الله سبحانه مع أنه خلقه من علقة ، وأنعم عليه بالنعم التي قدمنا ذكرها ، إذ أغناه ، وزاد في النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد في المعاصي واتباع هوى النفس ، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة ، ثم إنه تعالى أكد هذا الزجر بقوله: { إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى } [ العلق: 8 ] أي إلى حيث لا مالك سواه ، فتقع المحاسبة على ما كان منه من العمل والمؤاخذة بحسب ذلك .
المسألة الثانية: قوله: { كَلاَّ } فيه وجوه أحدها: أنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه ، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه وثانيها: قال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان إن الله هو الذي خلقه من العلقة وعلمه بعد الجهل ، وذلك لأنه عند صيرورته غنيًا يطغى ويتكبر ، ويصير مستغرق القلب في حب الدنيا فلا يتفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها وثالثها: ذكر الجرجاني صاحب « النظم » أن كلا ههنا بمعنى حقًا لأنه ليس قبله ولا بعده شيء تكون { كَلاَّ } ردًا له ، وهذا كما قالوه في: