فهرس الكتاب

الصفحة 6232 من 8321

اعلم أن الله تعالى لما بين فساد القول بالشرك وبين أن الله تعالى هو الذي يجب أن يعبد ، بين في هذه الآية أن طريقة هؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام متناقضة وذلك لأنهم إذا مسهم نوع من أنواع الضر لم يرجعوا في طلب دفعه إلا إلى الله ، وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى عبادة الأصنام ومعلوم أنهم إنما رجعوا إلى الله تعالى عند حصول الضر ، لأنه هو القادر على إيصال الخير ودفع الضر ، وإذا عرفوا أن الأمر كذلك في بعض الأحوال كان الواجب عليهم أن يعترفوا به في كل الأحوال فثبت أن طريقتهم في هذا الباب متناقضة .

أما قوله تعالى: { وَإِذَا مَسَّ الإنسان } فقيل المراد بالإنسان أقوام معينون مثل عتبة بن ربيعة وغيره ، وقيل المراد به الكافر الذي تقدم ذكره ، لأن الكلام يخرج على معهود ، تقدم .

وأما قوله { ضُرٌّ } فيدخل فيه جميع المكاره سواه كان في جسمه أو في ماله أو أهله وولده ، لأن اللفظ مطلق فلا معنى للتقييد { ودعاَ رَبَّهُ } أي استجار بربه وناداه ولم يؤمل في كشف الضر سواء ، فلذلك قال: { مُنِيبًا إِلَيْهِ } أي راجعًا إليه وحده في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة هي الرجوع { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ } أي أعطاه ، قال صاحب «الكشاف» : وفي حقيقته وجهان أحدهما: جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال ، إذا كان متعهدًا له حسن القيام به ومنه ما روي عن رسول الله A:"أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة"والثاني: جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر ، وفي المعنى قالت العرب:

إن الغنى طويل الذيل مياس ... ثم قال تعالى: { نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ } أي نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه ، وما بمعنى من كقوله تعالى: { وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى } [ الليل: 3 ] وقوله تعالى: { وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } [ الكافرون: 3 ] وقوله تعالى: { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء: 3 ] وقيل نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والمراد من قوله نسي أن ترك دعاءه كأنه لم يفزع إلى ربه ، ولو أراد به النسيان الحقيقي لما ذمه عليه ، ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أن لا يفزع ، وأن لا إله سواه فعاد إلى اتخاذ الشركاء مع الله .

ثم قال تعالى: { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضل بفتح الياء والباقون ليضل بضم الياء على معنى ليضل غيره .

المسألة الثانية: المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين الحالتين ، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواه وعند النعمة يعودون إلى اتخاذ آلهة معه . ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه في حال الضر لأجل أنه هو القادر على الخير والشر ، وهذا المعنى باق في حال الراحة والفراغ كان في تقرير حالهم في هذين الوقتين بما يوجب المناقضة وقلة العقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت