اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود ، وفيه وجهان الأول: المعنى: ولا تصدقوا إلا نبيًا يقرر شرائع التوراة ، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه ، وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم ، وعلى هذا التفسير تكون ( اللام ) في قوله { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ } صلة زائدة فإنه يقال صدقت فلانًا . ولا يقال صدقت لفلان ، وكون هذه اللام صلة زائدة جائز ، كقوله تعالى: { رَدِفَ لَكُم } [ النمل: 72 ] والمراد ردفكم والثاني: أنه ذكر قبل هذه الآية قوله { آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } .
ثم قال في هذه الآية: { وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أي لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم ، كأنهم قالوا: ليس الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم ، فالمعنى ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم ، فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته .
ثم قال تعالى: { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } قال ابن عباس Bهما . معناه: الدين دين الله ومثله في سورة البقرة { قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } [ البقرة: 120 ] .
واعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جوابًا عما حكاه عنهم؟ فنقول: أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه ، فهذا الكلام إنما صلح جوابًا عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت دينًا من جهة الله ، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك ، فمتى أمر بعد ذلك بغيره ، وأرشد إلى غيره ، وأوجب الانقياد إلى غيره كان نبيًا يجب أن يتبع ، وإن كان مخالفًا لما تقدم ، لأن الدين إنما صار دينًا بحكمه وهدايته ، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته ، ونظيره قوله تعالى جوابًا لهم عن قولهم { مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب } [ البقرة: 142 ] يعني الجهات كلها لله ، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء ، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله ، وقد جئتكم به فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف .
ثم قال تعالى: { أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } .
واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة ، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود ، ومن تتمة قولهم { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من المفسرين .
أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه الأول: قرأ ابن كثير ( أن يؤتى ) بمد الألف على الاستفهام والباقون بفتح الألف من غير مد ولا استفهام ، فإن أخذنا بقراءة ابن كثير ، فالوجه ظاهر وذلك لأن هذه اللفظة موضوعة للتوبيخ كقوله تعالى: