فهرس الكتاب

الصفحة 1862 من 8321

واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال السيد السرخسي سلمه الله { ها } للتنبيه و { أَنتُمْ } مبتدأ و { أُوْلاء } خبره و { تُحِبُّونَهُمْ } في موضع النصب على الحال من اسم الإشارة ، ويجوز أن تكون { أُوْلاء } بمعنى الذين و { تُحِبُّونَهُمْ } صلة له ، والموصول مع الصلة خبر { أَنتُمْ } وقال الفرّاء: { أُوْلاء } خبر ، و { تُحِبُّونَهُمْ } خبر بعد خبر .

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أمورًا ثلاثة ، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول: قوله { تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } وفيه وجوه: أحدها: قال المفضل { تُحِبُّونَهُمْ } تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر ، ولا شك أنه يوجب الهلاك الثاني: { تُحِبُّونَهُمْ } بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بسبب كونكم مسلمين الثالث: { تُحِبُّونَهُمْ } بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم الرابع: قال أبو بكر الأصم { تُحِبُّونَهُمْ } بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر الخامس: { تُحِبُّونَهُمْ } بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض السادس: { تُحِبُّونَهُمْ } أي تخالطونهم ، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } أي لا يفعلون مثل ذلك بكم .

واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين ، فالكل داخل تحت الآية ، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعيًا من حيث الطبع ، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين .

والسبب الثاني لذلك: قوله تعالى: { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في الآية إضمار ، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به ، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معًا فكان ذكر أحدهما مغنيًا عن ذكر الآخر .

المسألة الثانية: ذكر ( الكتاب ) بلفظ الواحد لوجوه أحدها: أنه ذهب به مذهب الجنس كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس وثانيها: أن المصدر لا يجمع إلا على التأويل ، فلهذا لم يقل الكتب بدلًا من الكتاب ، وإن كان لو قاله لجاز توسعًا .

المسألة الثالثة: تقدير الكلام: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ، ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت