{ والسماء وَمَا بناها * والأرض وَمَا طحاها } [ الشمس: 5 ، 6 ] أي بنائه إياها وطحيه إياها .
المسألة الثالثة: تقدير الآية: أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر .
المسألة الرابعة: قال الواحدي C: لا محل لقوله { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } لأنه استئناف بالجملة وقيل: إنه صفة لبطانة ، ولا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } فلو كان هذا صفة أيضًا لوجب إدخال حرف العطف بينهما .
المسألة الخامسة: الفرق بين قوله { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } وبين قوله { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } في المعنى من وجوه الأول: لا يقصرون في إفساد دينكم ، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني: لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا ، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم والثالث: لا يقصرون في إفساد أموركم ، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج ، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم وثالثها: قوله تعالى: { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: البغضاء أشد البغض ، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء .
المسألة الثانية: الأفواه جمع الفم ، والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه ، يقال: فوه وأفواه كسوط وأسواط ، وطوق وأطواق ، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول ، وأفوه إذا كان واسع الفم ، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط ، ثم حذفت الهاء تخفيفًا ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان .
المسألة الثالثة: قوله { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول: أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقتة لطريق المخالصة في الود والنصيحة ، ونظيره قوله تعالى: { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول } [ محمد: 30 ] الثاني: قال قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضًا على ذلك ، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيّكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق ، ومن اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه ، بل لا بد وأن يبغضه ، فهذا هو المراد بقوله { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } .
ثم قال تعالى: { وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة ، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد ، ثم بيّن تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم ، فقال: { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأيات إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } أي من أهل العقل والفهم والدراية ، وقيل: { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } الفصل بين ما يستحقه العدو والولي ، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات ، والله أعلم .