فهرس الكتاب

الصفحة 4517 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ } [ الإسراء: 13 ] ومعناه: أن كل أحد مختص بعمل نفسه ، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب إلى الأفهام وأبعد عن الغلط فقال: { مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله ، ولا يتعدى منه إلى غيره ، ويتأكد هذا بقوله: { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى } [ النجم: 39 ، 40 ] قال الكعبي: الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر ، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلًا لأن قوله: { مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد ، أما المجبور على أحد الطرفين ، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به .

المسألة الثانية: أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عل نفسه بقوله: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } قال الزجاج: يقال وزر يزر فهو وازر ووزر وزرا وزرة ، ومعناه: أثم يأثم إثمًا قال: وفي تأويل الآية وجهان: الأول: أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره ، وأيضًا غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه . والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم ، لأن غيره عمله كما قال الكفار: { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } [ الزخرف: 32 ] .

واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة .

الحكم الأول:

قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم ، وإلا لكان الطفل مؤاخذًا بذنب أبيه ، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية .

الحكم الثاني:

روى ابن عمر عن النبي A أنه قال: « إن الميت ليعذب ببكاء أهله » فعائشة طعنت في صحة هذا الخبر ، واحتجت على صحة ذلك الطعن بقوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } فإن تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره ، وذلك خلاف هذه الآية .

الحكم الثالث:

قال القاضي: دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى . وبيانه من وجوه: أحدها: أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره . وثانيها: أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلًا ، لأن الوازر إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختارًا يمكنه التحرز ، ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بهذا .

الحكم الرابع:

أن جماعة من قدماء الفقهاء امتنعوا من ضرب الدية على العاقلة ، وقالوا: لأن ذلك يقتضي مؤاخذة الإنسان بسبب فعل الغير ، وذلك على مضادة هذه الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت