اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد E أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد A وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا } في ثمانية وثمانين موضعًا من القرآن . قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بقوله: يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولًا بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخرًا حيث قال: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } [ البقرة: 61 ] ، وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولًا فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة ، وأيضًا فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات ، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات .
المسألة الثانية: أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى ، ولذلك فإن عند الشافعي Bه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية ، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله: { راعنا } ويأذن في قوله: { انظرنا } وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله: { راعنا } لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهًا ، أحدها: كان المسلمون يقولون لرسول الله A إذا تلا عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله ، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي «راعينا» ومعناها: اسمع لا سمعت ، فلما سمعوا المؤمنين يقولون: راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة ، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: { انظرنا } ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء: { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدين } [ النساء: 46 ] ، وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه ، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية ، وثانيها: قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية ، فلا جرم نهى الله عنها ، وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها ، ورابعها: أن قوله: «راعنا» مفاعلة من الرعي بين اثنين ، فكان هذا اللفظ موهمًا للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا ، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال: