اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام ، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه ، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وأنه غني عن الكل فقال: { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن الإلهين لا بد وأن يكونا اثنين ، فما الفائدة في قوله: { إلهين اثنين } .
وجوابه من وجوه: أحدها: قال صاحب «النظم» : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين . وثانيها: وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكرًا مستقبحًا ، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببًا لوقوف العقل على ما فيه من القبح .
إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول ، ولهذا المعنى فإن أحدًا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال ، فقوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح . وثالثها: أن قوله: { إلهين } لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله وثبوت التعدد ، فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما . فلما قال: { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } ثبت أن قوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين } نهي عن إثبات التعدد فقط . ورابعها: أن الأثنينية منافية للإلهية ، وتقريره من وجوه: الأول: أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجبًا لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فكل واحد منهما مركب من جزأين ، وكل مركب فهو ممكن ، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود . والثاني: أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني ، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلًا ولا التفاوت أصلًا ، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني ، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية ، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال ، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة . فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزًا والعاجز لا يكون إلهًا . فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلهًا . الثالث: أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر ذاك إله والآخر ضعيف ، وإن لم يقدر فهو ضعيف ، والرابع: وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر ، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف . فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان . فقوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الأثنينية . والله أعلم .