فهرس الكتاب

الصفحة 4404 من 8321

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } والمعنى: أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله ، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال ، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد .

ثم قال بعده: { فإياي فارهبون } وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور ، والتقدير: أنه لما ثبت أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله ، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام ، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور ، ويقول: { فإياي فارهبون } وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله: { فإياي فارهبون } يفيد الحصر ، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه ، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه ، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد ، وأما ما سواه فمحدث ، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده ، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه ، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات .

ثم قال بعده: { وَلَهُ مَا فِى السموات والأرض } وهذا حق ، لأنه لما كان الإله واحدًا ، والواجب لذاته واحدًا ، كان كل ما سواه حاصلًا بتخليقه وتكوينه وإيجاده ، فثبت بهذا البرهان صحة قوله: { وَلَهُ مَا فِى السموات والأرض } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ، فوجب أن تكون أفعال العباد لله تعالى ، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته ، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة ، لا لغرض الطاعة ، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب .

ثم قال بعده: { وَلَهُ الدين وَاصِبًا } الدين ههنا الطاعة ، والواصب الدائم . يقال: وصب الشيء يصب وصوبًا إذا دام ، قال تعالى: { وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } [ الصافات: 9 ] ويقال: واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم ، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها . ويقال للعليل واصب ، ليكون ذلك المرض لازمًا له . قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع ، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه ، فإن طاعته واجبة أبدًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت