فهرس الكتاب

الصفحة 4418 من 8321

اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوات والمعاد ، وإثبات القضاء والقدر ، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات ، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات ، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية ، وثنى بالإنسان ، وثلث بالحيوان ، وربع بالنبات ، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض ، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولًا بذكر الفلكيات فقال: { والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } والمعنى: أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سببًا لحياة الأرض ، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر ، وينفع بعد أن كان لا ينفع ، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مرارًا كثيرة .

ثم قال تعالى: { إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع .

والنوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: { وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ } قد ذكرنا معنى العبرة في قوله: { لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار } [ آل عمران: 13 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وحمزة والكسائي: { نُّسْقِيكُمْ } بضم النون ، والباقون بالفتح ، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } [ الإنسان: 21 ] وقال: { والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ } [ الشعراء: 79 ] وقال: { وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا } [ محمد: 15 ] ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شرابًا كقوله: { وأسقيناكم مَّاء فُرَاتًا } [ المرسلات: 27 ] وقوله: { فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } [ الحجر: 22 ] والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا ، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم ، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت .

المسألة الثانية: قوله: { مما في بطونه } الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه وجوهًا: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع ، كالرهط والقوم والبقر والنعم ، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو التذكير ، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ، فلهذا السبب قال ههنا { فِي بُطُونِهِ } ، وقال في سورة المؤمنين: { فِى بُطُونِهَا } [ المؤمنون: 21 ] . الثاني: قوله: { فِي بُطُونِهِ } أي في بطون ما ذكرنا ، وهذا جواب الكسائي . قال المبرد: هذا شائع في القرآن . قال تعالى: { فَلَماَّ رَأَى الشمس بازغةً قَالَ هذا رَبّى } [ الأنعام: 78 ] يعني هذا الشيء الطالع ربي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت