فهرس الكتاب

الصفحة 4419 من 8321

وقال: { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } [ المدثر: 54 ، 55 ] أي ذكر هذا الشيء .

واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي ، أما الذي يكون تأنيثه حقيقيًا ، فلا يجوز ، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب ، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة . الثالث: أن فيه إضمارًا ، والتقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن .

المسألة الثالثة: الفرث: سرجين الكرش . روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثًا وأعلاه دمًا وأوسطه لبنًا ، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو ، فذاك هو قوله تعالى: { مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا } لا يشوبه الدم ولا الفرث .

ولقائل أن يقول: الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش ، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحًا متواليًا ، وما رأى أحد في كرشها لا دمًا ولا لبنًا ، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال ، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه ، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانًا ، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها ، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافيًا انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفًا نزل إلى الأمعاء ، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها ويصير دمًا ، وذلك هو الهضم الثاني ، ويكون ذلك الدم مخلوطًا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية ، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة ، والسوداء إلى الطحال ، والماء إلى الكلية ، ومنها إلى المثانة ، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة ، وهي العروق النابتة من الكبد ، وهناك يحصل الهضم الثالث ، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع ، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن .

فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟

قلنا: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته ، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حارًا يابسًا ، ومزاج الأنثى يجب أن يكون باردًا رطبًا ، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى ، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أن الولد إنما يتولد من الرطوبات ، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد . والثاني: أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلًا للتمدد حتى يتسع لذلك الولد ، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلًا للتمدد ، فيتسع للولد ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة ، ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم ، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت