اعلم أن شعيبًا عليه السلام ضم إلى ما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة أشياء . الأول: أنه منعهم من أن يقعدوا على طرق الدين ومناهج الحق ، لأجل أن يمنعوا الناس عن قبوله وفي قوله: { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط } قولان: الأول: يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس . روي أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من آمن بشعيب عليه السلام . والثاني: أن يحمل الصراط على مناهج الدين ، قال صاحب «الكشاف» : { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط } أي ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف: 16 ] قال والمراد بالصراط كل ما كان من مناهج الدين ، والدليل على أن المراد بالصراط ذلك قوله: { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } وقوله: { بِكُلِّ صراط } يقال قعد له بمكان كذا وعلى مكان كذا ، وفي مكان كذا ، وهذه الحروف تتعاقب في هذه المواضع لتقارب معانيها ، فإنك إذا قلت قعد بمكان كذا ، فالباء للإلصاق ، وهو قد التصق بذلك المكان .
وأما قوله: { تُوعِدُونَ } فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال ، والتقدير: ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله ولا أن تبغوا عوجًا في سبيل الله ، والحاصل: أنه نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة . واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض . وجب حصول المغايرة بينها فقوله: { تُوعِدُونَ } يحصل بذلك إنزال المضار بهم وأما الصد ، فقد يكون بالإيعاد بالمضار ، وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو تركه ، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه .
أما قوله: { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات والمراد من الآية أن شعيبًا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة . وإذا تأملت علمت أن أحدًا لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة .
ثم قال: { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ } والمقصود منه أنهم إذا تذكروا كثرة إنعام الله عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية ، قال الزجاج: وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه ، كثر عددكم بعد القلة ، وكثركم بالغنى بعد الفقر ، وكثركم بالقدرة بعد الضعف ، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل ، في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوكة . فأما تكثير عددهم بعد القلة؛ فهو أن مدين بن إبراهيم تزوج رئيا بنت لوط ، فولدت حتى كثر عددهم .
ثم قال بعده: { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } والمعنى تذكروا عاقبة المفسدين وما لحقهم من الخزي والنكال ، ليصير ذلك زاجرًا لكم عن العصيان والفساد ، فقوله: { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ } المقصود منه أنهم إذا تذكروا نعم الله عليهم انقادوا وأطاعوا ، وقوله: { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزي والنكال ، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا ، فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولًا والترهيب ثانيًا .