السؤال الثاني: كيف قال { الكيل والميزان } ، ولم يقل { المكيال والميزان } [ هود: 84 ] كما في سورة هود؟
والجواب: أراد بالكيل آلة الكيل ، وهو المكيال ، أو يسمى ما يكال به بالكيل ، كما يقال العيش لما يعاش .
والرابع: قوله: { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ } والمراد أنه لما منع قومه من البخس في الكيل والوزن منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه ، ويدخل فيه المنع من الغصب والسرقة ، وأخذ الرشوة ، وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل . والخامس: قوله: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها } وذلك لأنه لما كان أخذ أموال الناس بغير رضاها يوجب المنازعة والخصومة ، وهما يوجبان الفساد ، لا جرم قال بعده: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها } وقد سبق تفسير هذه الكلمة ، وذكروا فيه وجوهًا فقيل: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها } بأن تقدموا على البخس في الكيل والوزن ، لأن ذلك يتبعه الفساد . وقيل: أراد به المنع من كل ما كان فسادًا حملًا للفظ على عمومه . وقيل: قوله: { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } منع من مفاسد الدنيا وقوله: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض } منع من مفاسد الدين حتى تكون الآية جامعة للنهي عن مفاسد الدنيا والدين ، واختلفوا في معنى { بَعْدَ إصلاحها } قيل: بعد أن صلحت الأرض بمجيء النبي بعد أن كانت فاسدة بخلوها منه ، فنهاهم عن الفساد ، وقد صارت صالحة . وقيل: المراد أن لا تفسدوا بعد أن أصلحها الله بتكثير النعم فيهم ، وحاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى أصلين التعظيم لأمر الله ، ويدخل فيه الإقرار بالتوحيد والنبوة ، والشفقة على خلق الله ، ويدخل فيه ترك البخس ، وترك الإفساد ، وحاصلها يرجع إلى ترك الإيذاء ، كأنه تعالى يقول: إيصال النفع إلى الكل متعذر . وأما كف الشر عن الكل فممكن ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الخمسة . قال: { ذلكم } وهو إشارة إلى هذه الخمسة ، والمعنى: خير لكم في الآخرة إن كنتم مؤمنين بالآخرة ، والمراد: أترك البخس وترك الإفساد خير لكم في طلب المال في المعنى لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة ، رغبوا في المعاملات معكم ، فكثرت أموالكم { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي إن كنتم مصدقين لي في قولي .