اعلم أن هذا هو القصة الرابعة . قال النحويون: إنما صرف لوط ونوح لخفته ، فإنه مركب من ثلاثة أحرف ، وهو ساكن الوسط { أتأتون الفاحشة } أتفعلون السيئة المتمادية في القبح؟ وفي قوله: { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } وفيه بحثان:
البحث الأول: قال صاحب «الكشاف» : { من } الأولى زائدة لتوكيد النفي ، وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض .
فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } مع أن الشهوة داعية إلى ذلك العمل أبدًا؟
والجواب: أنا نرى كثيرًا من الناس يستقذر ذلك العمل ، فإذا جاز في الكثير منهم استقذاره لم يبعد أيضًا انقضاء كثير من الإعصار بحيث لا يقدم أحد من أهل تلك الأعصارعليه ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال: لعلهم بكليتهم أقبلوا على ذلك العمل ، والإقبال بالكلية على ذلك العمل مما لم يوجد في الأعصار السابقة . قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم ، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء . وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض .
البحث الثاني: قوله: { ما سبقكم } يجوز أن يكون مستأنفًا في التوبيخ لهم ، ويجوز أن يكون صفة الفاحشة ، كقوله تعالى: { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } [ ياس: 37 ] وقال الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ...