والجواب الأول أن يقال: إنهم قبل أن شاهدوا تلك العلامات كانوا يكذبون صالحًا في نزول العذاب ، فلما شاهدوا العلامات خرجوا عند ذلك عن حد التكليف ، وخرجوا عن أن تكون توبتهم مقبولة .
ثم قال تعالى: { فتولى عنهم } وفيه قولان: الأول: أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا ، والدليل عليه أنه تعالى قال: { فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم } والفاء تدل على التعقيب ، فدل على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم والثاني: أنه عليه السلام تولى عنهم قبل موتهم ، بدليل: أنه خاطب القوم . وقال: { يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } وذلك يدل على كونهم أحياء من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال لهم: { يا قوم } والأموات لا يوصفون بالقوم ، لأن اشتقاق لفظ القوم من الاستقلال بالقيام ، وذلك في حق الميت مفقود . والثاني: أن هذه الكلمات خطاب مع أولئك وخطاب الميت لا يجوز . والثالث: أنه قال: { ولكن لا تحبون الناصحين } فيجب أن يكونوا بحيث يصح حصول المحبة فيهم ، ويمكن أن يجاب عنه فنقول: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه ، فلم يقبل تلك النصيحة حتى ألقى نفسه في الهلاك ، يا أخي منذ كم نصحتك ، فلم تقبل وكم منعتك فلم تمتنع ، فكذا ههنا ، والفائدة في ذكر هذا الكلام إما لأن يسمعه بعض الأحياء فيعتبر به وينزجر عن مثل تلك الطريقة . وإما لأجل أنه احترق قلبه بسبب تلك الواقعة . فإذا ذكر ذلك الكلام فرجت تلك القضية عن قلبه . وقيل: يخف عليه أثر تلك المصيبة ، وذكروا جوابًا آخر ، وهو: أن صالحًا عليه السلام خاطبهم بعد كونهم جاثمين ، كما أن نبينا E خاطب قتلى بدر . فقيل: تتكلم مع هؤلاء الجيف فقال: « ما أنتم بأسمعَ منهم لكنهم لا يقدرون على الجواب » .