اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد E شرع شرعه الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالبًا دينًا غير دين الله ، فلهذا قال بعده { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم { يَبْغُونَ } و { يَرْجِعُونَ } بالياء المنقطة من تحتها ، لوجهين أحدهما: ردًا لهذا إلى قوله { وأولئك هُمُ الفاسقون } [ آل عمران: 82 ] والثاني: أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد A ، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } وقرأ أبو عمرو { تبغون } بالتاء خطابًا لليهود وغيرهم من الكافر و { لاَ يَرْجِعُونَ } بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والأرض } وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب ، لأن ما قبله خطاب كقوله { ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ } [ آل عمران: 81 ] وأيضًا فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر ولكل أحد: أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السموات والأرض ، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } [ آل عمران: 101 ] .
المسألة الثانية: الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه ، وموضع الهمزة هو لفظة { يَبْغُونَ } تقديره: أيبغون غير دين الله؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث ، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو { غَيْر دِينِ الله } على فعله ، لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف جملة على جملة وفيه وجهان أحدهما: التقدير: فأولئك هم الفاسقون ، فغير دين الله يبغون .
واعلم أنه لو قيل أو غير دين الله يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل: أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون؟ .
المسألة الثالثة: روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول A فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام ، وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به ، فقال E: « كلا الفريقين برىء من دين إبراهيم عليه السلام ، » فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية ، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها ، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها ، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورًا في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد A في النبوّة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر ، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين دينًا غير دين الله ، ومعبودًا سوى الله سبحانه ، ثم بيّن أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال: { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وفيه مسألتان: