فهرس الكتاب

الصفحة 4477 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضًا بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف ، كما ذكره في هذه الآية .

المسألة الثانية: المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان ذلك الشيء موجودًا أو لم يكن موجودًا وقد يضرب بشيء موجود معين ، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئًا مفروضًا ويحتمل أن تكون قرية معينة ، وعلى هذا التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها ، والأكثرون من المفسرين على أنها مكة ، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلًا لمكة ، ومثل مكة يكون غير مكة .

المسألة الثالثة: ذكر الله تعالى لهذه القرية صفات:

الصفة الأولى: كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءامِنًا وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } [ العنكبوت: 67 ] والأمر في مكة كان كذلك ، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض . أما أهل مكة ، فإنهم كانوا أهل حرم الله ، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم .

واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن ، وإن كان ذلك لأهلها لأجل أنها مكان الأمن وظرف له ، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها ، كما يقال: طيب وحار وبارد .

والصفة الثانية: قوله: { مُّطْمَئِنَّةً } قال الواحدي: معناه أنها قارة ساكنة فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . أقول: إن كان المراد من كونها مطمئنة أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف ، فهذا هو معنى كونها آمنة ، وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الضيق ، فهذا هو معنى قوله: { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ } وعلى كلا التقديرين فإنه يلزم التكرار .

والجواب: أن العقلاء قالوا:

ثلاثة ليس لها نهاية ... الأمن والصحة والكفاية

قوله: { ءَامِنَةً } إشارة إلى الأمن ، وقوله: { مُّطْمَئِنَّةً } إشارة إلى الصحة ، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائمًا لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه ، وقوله: { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ } إشارة إلى الكفاية . قال المفسرون وقوله: { مِّن كُلِّ مَكَانٍ } السبب فيه إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام وهو قوله: { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وارزقهم مّنَ الثمرات } [ إبراهيم: 37 ] ثم إنه تعالى لما وصف القرية بهذه الصفات الثلاثة قال: { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله } الأنعم جمع نعمة مثل أشد وشدة أقول ههنا سؤال: وهو أن الأنعم جمع قلة ، فكان المعنى: أن أهل تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها الله ، وكان اللائق أن يقال: إنهم كفروا بنعم عظيمة لله فاستوجبوا العذاب ، فما السبب في ذكر جمع القلة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت