والجواب: المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب ، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة ، وهو محمد A فكفروا به وبالغوا في إيذائه فلا جرم سلط الله عليهم البلاء . قال المفسرون: عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد ، أما الخوف فهو أن النبي A كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابي: لا باس ولا لباس يا أيها النسناس ، هب أنك تشك أن محمدًا ما كان نبيًا أما كان عربيًا وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية ، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال: فكساهم الله لباس الجوع ، أو يقال: فأذاقهم الله طعم الجوع . وأقول جوابه من وجوه:
الوجه الأول: أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان . أحدهما: أن المذوق هو الطعم فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع . والثاني: أن ذلك الجوع كان شديدًا كاملًا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات ، فأشبه اللباس . فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه الملبوس ، فاعتبر الله تعالى كلا الاعتبارين ، فقال: { فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف } .
والوجه الثاني: أن التقدير أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة وأصل الذوق بالفم ، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار ، تقول: ناظر فلانًا وذق ما عنده . قال الشاعر:
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها
ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال فكما تقول: تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان ، كذلك يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان .
والوجه الثالث: أن يحمل لفظ اللبس على المماسة ، فصار التقدير: فأذاقها الله مساس الجوع والخوف .
ثم قال تعالى: { بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي A حين كذبوه وأخرجوه من مكة وهموا بقتله . قال الفراء: ولم يقل بما صنعت ، ومثله في القرآن كثير ، ومنه قوله تعالى: { فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف: 4 ] ولم يقل قائلة ، وتحقيق الكلام أنه تعالى وصف القرية بأنها مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا فكفرت بأنعم الله ، فكل هذه الصفات ، وإن أجريت بحسب اللفظ على القرية ، إلا أن المراد في الحقيقة أهلها ، فلا جرم قال في آخر الآية: { بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } ، والله أعلم .