فهرس الكتاب

الصفحة 4350 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة . وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، والشهوة والغضب ، ثم هذه الحيوانات قسمان: منها ما ينتفع الإنسان بها ، ومنها ما لا يكون كذلك ، والقسم الأول: أشرف من الثاني ، لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان يكون انتفاع الإنسان به أكمل . وأكثر أن يكون أكمل وأشرف من غيره ، ثم نقول: والحيوان الذي ينتفع الإنسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل واللبس أو لا يكون كذلك ، وإنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها ، والقسم الأول أشرف من الثاني ، وهذا القسم هو الأنعام ، فلهذا السبب بدأ الله بذكره في هذه الآية ، فقال: { والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ } .

واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي: الضأن ، والمعز . والإبل . والبقر ، وقد يقال أيضًا: الأنعام ثلاثة: الإبل . والبقر . والغنم . قال صاحب «الكشاف» : وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل . وقوله: { والأنعام } منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى: { والقمر قدرناه مَنَازِلَ } [ يس: 39 ] ويجوز أن يعطف على الإنسان . أي خلق الإنسان والأنعام ، قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: { والأنعام خَلَقَهَا } ثم ابتدأ وقال: { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } ويجوز أيضًا أن يكون تمام الكلام عند قوله: { لَكُمْ } ثم ابتدأ وقال: { فِيهَا دِفْء } قال صاحب «النظم» : أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: { خَلَقَهَا } والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال .

المسألة الثانية: أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع ، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية ، والله تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية .

فالمنفعة الأولى: قوله: { لَكُمْ فِيهَا دِفْء } وقد ذكر هذه المعنى في آية أخرى فقال: { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } [ النحل: 80 ] والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية ، قال الأصمعي: ويكون الدفء السخونة . يقال: أقعد في دفء هذا الحائط ، أي في كنه . وقرىء: { دف } بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء .

والمنفعة الثانية: قوله: { ومنافع } قالوا: المراد نسلها ودرها ، وإنما عبر الله تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم ، لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود ، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل .

والمنفعة الثالثة: قوله: { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } .

فإن قيل: قوله: { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإنه قد يؤكل من غيرها ، وأيضًا منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس ، فلم أخر منفعته في الذكر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت