فهرس الكتاب

الصفحة 3170 من 8321

اعلم أن هودًا عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدليل القاطع ، وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة ، وصريح العقل يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات ، والجماد لا قدرة له على شيء أصلًا ، وظاهر أن العبادة نهاية التعظيم . ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وذلك يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله ، وأن لا يعبدوا شيئًا من الأصنام ، ومقصود الله تعالى من ذكر أقسام إنعامه على العبيد ، هذه الحجة التي ذكرها ثم إن هودًا عليه السلام لما ذكر هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد . فقالوا: { قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا } ثم قالوا: { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } وذلك لأنه عليه السلام قال: { اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } [ الأعراف: 65 ] فقوله: { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } مشعر بالتهديد والتخويف بالوعيد فلهذا المعنى قالوا: { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعتقدون كونه كاذبًا بدليل أنهم قالوا له: { وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين } [ الأعراف: 66 ] فلما اعتقدوا كونه كاذبًا قالوا له: { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } والغرض أنه إذا لم يأتهم بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبًا ، وإنما قالوا ذلك لأنهم ظنوا أن الوعد لا يجوز أن يتأخر ، فلا جرم استعجلوه على هذا الحد .

ثم حكى الله تعالى عن هود عليه السلام أنه قال عند هذا الكلام: { قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: هذا الذي أخبر الله عنه بأنه وقع لا يجوز أن يكون هو العذاب ، لأن العذاب ما كان حاصلًا في ذلك الوقت وقد اختلفوا فيه قال القاضي: تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر ، إلا أنا نقول: معناه أنه تعالى أحدث إرادة في ذلك الوقت ، لأن بعد كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة . واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، بل عندنا في الآية وجوه من التأويلات: أحدها: أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم ، فلما حدث الإعلام في ذلك الوقت ، لا جرم قال هود في ذلك الوقت: { وَقَعَ عَلَيْكُم مّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } وثانيها: أنه جعل التوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع . ونظيره قولك لمن طلب منك شيئًا ، قد كان ذلك بمعنى أنه سيكون ، ونظيره قوله تعالى: { أتى أَمْرُ الله } [ النحل: 1 ] بمعنى: سيأتي أمر الله . وثالثها: أنا نحمل قوله: { وَقَعَ } على معنى وجد وحصل ، والمعنى: إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل إلى الأبد ، لأن قولنا: حصل لا إشعار له بالحدوث بعد ما لم يكن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت