البحث الأول: { الخلق } في اللغة عبارة عن التقدير ، فهذا اللفظ إنما ينطلق على الشيء الذي له مقدار وجثة وحجمية ، فكان المراد حصول الزيادة في أجسامهم ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على الزيادة في القوة ، وذلك لأن القوى والقدر متفاوتة ، فبعضها أعظم وبعضها أضعف .
إذا عرفت هذا فنقول: لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك الزيادة ، فليس في اللفظ ألبتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك الزيادة يجب أن تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد ، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر في معرض الإنعام فائدة . قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعًا ، وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يدا إنسان إذا رفعهما ، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر ، وقال قوم يحتمل أن يكون المراد من قوله: { وَزَادَكُمْ فِى الخلق بَسْطَةً } كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدة والجلادة ، وكون بعضهم محبًا للباقين ناصرًا لهم وزوال العداوة والخصومة من بينهم ، فإنه تعالى لما خصهم بهذه الأنواع من الفضائل والمناقب فقد قرر لهم حصولها ، فصح أن يقال: { وَزَادَكُمْ فِى الخلق بَسْطَةً } ولما ذكر هود هذين النوعين من النعمة قال: { فاذكروا ءالآءَ الله } وفيه بحثان:
البحث الأول: لا بد في الآية من إضمار ، والتقدير: واذكروا آلاء الله واعملوا عملًا يليق بتلك الإنعامات لعلكم تفلحون . وإنما أضمرنا العمل لأن الصلاح الذي هو الظفر بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر بل لا بد له من العمل ، واستدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرة بهذه الآية وقالوا: إنه تعالى رتب حصول الصلاح على مجرد التذكر ، فوجب أن يكون مجرد التذكر كافيًا في حصول الصلاح . وجوابه ما تقدم من أن سائر الآيات ناطقة بأنه لا بد من العمل . والله أعلم .
البحث الثاني: قال ابن عباس: { آلآءَ الله } أي نعم الله عليكم . قال الواحدي: واحد الآلاء إلى وألو وإلى . قال الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحمًا ولا يخون إلي
قال نظير الآلاء الآناء ، واحدها: أنا وإني وإني ، وزاد صاحب «الكشاف» في الأمثلة فقال: ضلع وأضلاع ، وعنب وأعناب .