فهرس الكتاب

الصفحة 2765 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة تعظم رغبتهم في الدنيا وتحصيل لذاتها ، فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيهًا على خساستها وركاكتها .

واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها لأن هذه الحياة العاجلة لا يصح اكتساب السعادات الأخروية إلا فيها ، فلهذا السبب حصل في تفسير هذه الآية قولان:

القول الأول: أن المراد منه حياة الكافر . قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق ، والسبب في وصف حياة هؤلاء بهذه الصفة أن حياة المؤمن يحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعبًا ولهوًا .

والقول الثاني: أَن هذا عام في حياة المؤمن والكافر ، والمراد منه اللذات الحاصلة في هذه الحياة والطيبات المطلوبة في هذه الحياة ، وإنما سماها باللعب واللهو ، لأن الإنسان حال اشتغاله باللعب واللهو يلتذ به ، ثم عند انقراضه وانقضائه لا يبقى منه إلا الندامة ، فكذلك هذه الحياة لا يبقى عند انقراضها إلا الحسرة والندامة .

واعلم أن تسمية هذه الحياة باللعب واللهو فيه وجوه: الأول: أن مدة اللهو واللعب قليلة سريعة الإنقضاء والزوال ، ومدة هذه الحياة كذلك . الثاني: أن اللعب واللهو لا بدّ وأن ينساقا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك . الثالث: أن اللعب واللهو ، إنما يحصل عند الاغترار بظواهر الأمور ، وأما عند التأمل التام والكشف عن حقائق الأمور ، لا يبقى اللعب واللهو أصلًا ، وكذلك اللهو واللعب ، فإنهما لا يصلحان إلا للصبيان والجهال المغفلين ، أما العقلاء والحصفاء ، فقلما يحصل لهم خوض في اللعب واللهو ، فكذلك الالتذاذ بطيبات الدنيا والانتفاع بخيراتها لا يحصل ، إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور ، وأما الحكماء المحققون ، فإنهم يعلمون أن كل هذه الخيرات غرور ، وليس لها في نفس الأمر حقيقة معتبرة . الرابع: أن اللعب واللهو ليس لهما عاقبة محمودة ، فثبت بمجموع هذه الوجوه أن اللذات والأحوال الدنيوية لعب ولهو وليس لهما حقيقة معتبرة . ولما بين تعالى ذلك قال بعده { وَلَلدَّارُ الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } وصف الآخرة بكونها خيرًا ، ويدل على أن الأمر كذلك حصول التفات بين أحوال الدنيا وأحوال الآخرة في أمور أحدها: أن خيرات الدنيا خسيسة وخيرات الآخرة شريفة بيان أن الأمر كذلك وجوه: الأول: أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوتين ، وهو في نهاية الخساسة ، بدليل أن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيه ، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان ، فإن الجمل أكثر أكلًا ، والديك والعصفور أكثر وقاعًا ، والذئب أقوى على الفساد والتمزيق ، والعقرب أقوى على الايلام ، ومما يدل على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الإكثار منها يوجب زيادة الشرف ، فكان يجب أن يكون الإنسان الذي وقف كل عمره على الأكل والوقاع أشرف الناس ، وأعلاهم درجة ، ومعلوم بالبديهة أنه ليس الأمر كذلك بل مثل هذا الإنسان يكون ممقوتًا مستقذرًا مستحقرًا يوصف بأنه بهيمة أو كلب أو أخس ، ومما يدل على ذلك أن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال بل يخفونها ، ولذلك كان العقلاء عند الاشتغال بالوقاع يختفون ولا يقدمون على هذه الأفعال بمحضر من الناس وذلك يدل على أن هذه الأفعال لا توجب الشرف بل النقص ، ومما يدل على ذلك أيضًا أن الناس إذا شتم بعضهم بعضًا لا يذكرون فيه إلا الألفاظ الدالة على الوقاع ، ولولا أن تلك اللذة من جنس النقصانات ، وإلا لما كان الأمر كذلك ، ومما يدل عليه أن هذه اللذات ترجع حقيقتها إلى دفع الآلام ، ولذلك فإن كل من كان أشد جوعًا وأقوى حاجة كان التذاذه بهذه الأشياء أكمل له وأقوى ، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه لا حقيقة لهذه اللذات في نفس الأمر . ومما يدل عليه أيضًا أن هذه اللذات سريعة الاستحالة سريعة الزوال سريعة الانقضاء . فثبت بهذه الوجوه الكثيرة خساسة هذه اللذات . وأما السعادات الروحانية فإنها سعادات شريفة عالية باقية مقدسة ، ولذلك فإن جميع الخلق إذا تخيلوا في الإنسان كثرة العلم وشدة الانقباض عن اللذات الجسمانية ، فإنهم بالطبع يعظمونه ويخدمونه ويعدون أنفسهم عبيدًا لذلك الإنسان وأشقياء بالنسبة إليه ، وذلك يدل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية ، وكمال مرتبة اللذات الروحانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت