فهرس الكتاب

الصفحة 7444 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الوسم أثر الكية وما يشبهها ، يقال: وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها إما كية ، وإما قطع في أذن علامة له .

المسألة الثانية: قال المبرد: الخرطوم ههنا الأنف ، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به ، لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة ، لأشباه تلك الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافًا ، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر ، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر .

المسألة الثالثة: الوجه أكرم موضع في الجسد ، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه ، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية ، واشتقوا منه الأنفة ، وقالوا: الأنف في الأنف وحمى أنفه ، وفلان شامخ العرنين ، وقالوا في الذليل: جدع أنفه ، ورغم أنفه ، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة ، لأن السمة على الوجه شين ، فكيف على أكرم موضع من الوجه .

المسألة الرابعة: منهم من قال: هذا الوسم يحصل في الآخرة ، ومنهم من قال: يحصل في الدنيا ، أما على القول الأول: ففيه وجوه أولها: وهو قول مقاتل وأبي العالية واختيار الفراء: أن المراد أنه يسود وجهه قبل دخول النار ، والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإن المراد هو الوجه لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض وثانيها: أن الله تعالى سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل القيامة ، إنه كان غاليًا في عداوة الرسول ، وفي إنكار الدين الحق وثالثها: أن في الآية احتمالًا آخر عندي ، وهو أن ذلك الكافر إنما بالغ في عداوة الرسول وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنفة والحمية ، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحمية كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحمية ، فعبر عن هذا الاختصاص بقوله: { سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم } ، وأما على القول الثاني: وهو أن هذا الوسم إنما يحصل في الدنيا ففيه وجوه: أحدها: قال ابن عباس سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش . وروي أنه قاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال وثانيها: أن معنى هذا الوسم أنه يصير مشهورًا بالذكر الرديء والوصف القبيح في العالم ، والمعنى سنلحق به شيئًا لا يفارقه ونبين أمره بيانًا واضحًا حتى لا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم ، تقول العرب للرجل الذي تسبه في مسبة قبيحة باقية فاحشة: قد وسمه ميسم سوء ، والمراد أنه ألصق به عارًا لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحي ولا تزول ألبتة ، قال جرير:

لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل

يريد أنه وسم الفرزدق ( والبعيث ) وجدع أنف الأخطل بالهجاء أي ألقى عليه عارًا لا يزول ، ولا شك أن هذه المبالغة العظيمة في مذمة الوليد بن المغيرة بقيت على وجه الدهر فكان ذلك كالموسم على الخرطوم ، ومما يشهد لهذا الوجه قول من قال في { زَنِيمٍ } إنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها وثالثها: يروى عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر وأنشد:

تظل يومك في لهو وفي طرب ... وأنت بالليل شراب الخراطيم

فعلى هذا معنى الآية: سنحده على شرب الخمر وهو تعسف ، وقيل للخمر الخرطوم كما يقال لها السلافة ، وهي ما سلف من عصير العنب ، أو لأنها تطير في الخياشيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت