فهرس الكتاب

الصفحة 8253 من 8321

اعلم أن قوله تعالى: فيه فوائد: أحدهما: أنه عليه السلام كان مأمورًا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال: { قل } { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضًا غليظ القلب لانفضوا من حولك } [ آل عمران: 159 ] { بالمؤمنين رءوف رحيم } [ التوبة: 128 ] { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء: 107 ] ثم كان مأمورًا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن: { وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل: 125 ] ولما كان الأمر كذلك ، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون: كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله: قل تقرير هذا المعنى وثانيها: أنه لما قيل له: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين } [ الشعراء: 214 ] وهو كان يحب أقرباءه لقوله: { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المودة فِى القربى } [ الشورى: 23 ] فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له: { قُلْ } ، وثالثها: أنه لما قيل له: { ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } [ المائدة: 67 ] فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى له: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال: إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله: { قُلْ ياأيها الكافرون } فأنا أيضًا أبلغه إلى الخلق هكذا ورابعها: أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع ، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ، على ما قال تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان: 25 ] والعبد يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء: { ياأيها الكافرون } لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد ، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه . أما لما سمعوا قوله: { قُلْ } علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض ، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به وخامسها: أن قوله: { قُلْ } يوجب كونه رسولًا من عند الله ، فكلما قيل له: { قُلْ } كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته ، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول ، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده ، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشورًا جديدًا دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه ، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيمًا وتشريفًا وسادسها: أن الكفار لما قالوا: نعبد إلهك سنة ، وتبعد آلتنا سنة ، فكأنه عليه السلام قال: استأمرت إليه فيه . فقال: { قُلْ ياأيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } وسابعها: الكفار قالوا فيه السوء ، فهو تعالى زجرهم عن ذلك ، وأجابهم وقال: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر } [ الكوثر: 3 ] وكأنه تعالى قال: حين ذكروك بسوء ، فأنا كنت المجيب بنفسي ، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء ، فكن أنت المجيب: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تعبدون } وثامنها: أنهم سموك أبتر ، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص ، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقًا فيه: { قُلْ يا أيهالكافرون } لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم وتاسعها: أن بتقدير أن تقول: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه ، والكفار يقولون: هذا كلام ربك أم كلامك ، فإن كان كلام ربك فربك يقول: أنا لا أعبد هذه الأصنام ، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك ، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه الأصنام ، فلم قلت: إن ربك هو الذي أمرك بذلك ، أما لما قال: قل ، سقط هذا الاعتراض لأن قوله: { قُلْ } يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها وعاشرها: أنه لو أنزل قوله: { يا أيها الكافرون } لكان يقرؤها عليهم لا محالة ، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال: { قُلْ } كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم ، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت