فهرس الكتاب

الصفحة 8252 من 8321

[ سبأ: 8 ] وحين قالوا: هو مجنون أقسم ثلاثًا ، ثم قال: { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } و [ القلم: 2 ] لما قالوا: { لَسْتَ مُرْسَلًا } [ الرعد: 43 ] أجاب فقال: { يس والقرءان الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } [ يس: 1-3 ] وحين قالوا: { أَئِنا لَتَارِكُو ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ } [ الصافات: 36 ] رد عليهم وقال: { بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين } [ الصافات: 37 ] فصدقه ، ثم ذكر وعيد خصمائه ، وقال: { إنكم لذائقوا العذاب الأليم } [ الصافات: 38 ] وحين قال حاكيًا: { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ } [ الطور: 30 ] قال: { وَمَا علمناه الشعر } [ يس: 69 ] ولما حكى عنهم قوله: { إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوم آخَرُون } [ الفرقان: 4 ] سماهم كاذبين بقوله: { فَقَدْ جَاءوا ظُلْمًا وَزُورًا } [ الفرقان: 4 ] ولما قالوا: { مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الأسواق } [ الفرقان: 7 ] أجابهم فقال: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الاسواق } [ الفرقان: 20 ] فما أجل هذه الكرامة .

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى لما بشره بالنعم العظيمة ، وعلم تعالى أن النعمة لا تهنأ إلا إذا صار العدو مقهورًا ، لا جرم وعده بقهر العدو ، فقال: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر } وفيه لطائف إحداها: كأنه تعالى يقول: لا أفعله لكي يرى بعض أسباب دولتك ، وبعض أسباب محنة نفسه فيقتله الغيظ وثانيها: وصفه بكونه شانئًا ، كأنه تعالى يقول: هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك ، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء ، فحينئذ يحترق قلبه غيظًا وحسدًا ، فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو وثالثها: أن هذا الترتيب يدل على أنه إنما صار أبتر ، لأنه كان شانئًا له ومبغضًا ، والأمر بالحقيقة كذلك ، فإن من عادى محسودًا فقد عادى الله تعالى ، لاسيما من تكفل بإعلان شأنه وتعظيم مرتبته ورابعها: أن العدو وصف محمدًا E بالقلة والذلة ، ونفسه بالكثرة والدولة ، فقلب الله الأمر عليه ، وقال العزيز من أعزه الله ، والذليل من أذله الله ، فالكثرة والكوثر لمحمد عليه السلام ، والأبترية والدناءة والذلة للعدو ، فحصل بين أول السورة وآخرها نوع من المطابقة لطيف .

المسألة الخامسة: اعلم أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن الفوائد التي ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر الله بعلمه من فوائد هذه السورة كالقطرة في البحر . روي عن مسيلمة أنه عارضها فقال: إنا أعطيناك الجماهر ، فصل لربك وجاهر ، إن مبغضك رجل كافر ، ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب لوجوه أحدها: أن الألفاظ والترتيب مأخوذان من هذه السورة ، وهذا لا يكون معارضة وثانيها: أنا ذكرنا أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها ، وكالأصل لما بعدها ، فذكر هذه الكلمات وحدها يكون إهمالًا لأكثر لطائف هذه السورة وثالثها: التفاوت العظيم الذي يقر به من له ذوق سليم بين قوله: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر } وبين قوله: إن مبغضك رجل كافر ، ومن لطائف هذه السورة أن كل أحد من الكفار وصف رسول الله A بوصف آخر ، فوصفه بأنه لا ولد له ، وآخر بأنه لا معين له ولا ناصر له ، وآخر بأنه لا يبقى منه ذكر ، فالله سبحانه مدحه مدحًا أدخل فيه كل الفضائل ، وهو قوله: { إِنَّا أعطيناك الكَوثَر } لأنه لما لم يقيد ذلك الكوثر بشيء دون شيء ، لا جرم تناول جميع خيرات الدنيا والآخرة ، ثم أمره حال حياته بمجموع الطاعات ، لأن الطاعات إما أن تكون طاعة البدن أو طاعة القلب ، أما طاعة البدن فأفضله شيئان ، لأن طاعة البدن هي الصلاة ، وطاعة المال هي الزكاة ، وأما طاعة القلب فهو أن لا يأتي بشيء إلا لأجل الله ، واللام في قوله: { لِرَبّكِ } يدل على هذه الحالة ، ثم كأنه نبه على أن طاعة القلب لا تحصل إلا بعد حصول طاعة البدن ، فقدم طاعة البدن في الذكر ، وهو قوله: { فَصَلِّ } وأخر اللام الدالة على طاعة القلب تنبيهًا على فساد مذهب أهل الإباحة في أن العبد قد يستغني بطاعة قلبه عن طاعة جوارحه ، فهذه اللام تدل على بطلان مذهب الإباحة ، وعلى أنه لا بد من الإخلاص ، ثم نبه بلفظ الرب على علو حاله في المعاد ، كأنه يقول: كنت ربيتك قبل وجودك ، أفأترك تربيتك بعد مواظبتك على هذه الطاعات ، ثم كما تكفل أولًا بإفاضة النعم عليه تكفل في آخر السورة بالذب عنه وإبطال قول أعدائه ، وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول بإفاضة النعم ، والآخر بتكميل النعم في الدنيا والآخرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت