فهرس الكتاب

الصفحة 7801 من 8321

واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أولًا ، ثم ادعى كونه { جَزَاءً وفاقا } [ النبأ: 26 ] ثم بين تفاصيل أفعالهم القبيحة ، وظهر صحة ما ادعاه أولًا من أن ذلك العقاب كان { جَزَاءً وفاقا } لا جرم أعاد ذكر العقاب ، وقوله: { فَذُوقُواْ } والفاء للجزاء ، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ، فهذا الفاء أفاد عين فائدة قوله: { جَزَاءً وفاقا } .

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه: أحدها: قوله: { فَلَن نَّزِيدَكُمْ } وكلمة لن للتأكيد في النفي وثانيها: أنه في قوله: { كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا } [ النبأ: 27 ] ذكرهم بالمغايبة وفي قوله: { فَذُوقُواْ } ذكرهم على سبيل المشافهة وهذا يدل على كمال الغضب وثالثها: أنه تعالى عدد وجوه العقاب ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم ثم عدد فضائحهم ، ثم قال: { فَذُوقُواْ } فكأنه تعالى أفتى وأقام الدلائل ، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها ، وذلك يدل على المبالغة في التعذيب قال E: « هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ، كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه » بقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار: { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } [ آل عمران: 77 ] فهنا لما قال لهم: { فَذُوقُواْ } فقد كلمهم؟ الجواب: قال أكثر المفسرين: تقدير الآية فيقال لهم: فذوقوا ، ولقائل أن يقول على هذا الوجه لا يليق بذلك القائل أن يقول: { فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا } بل هذا الكلام لا يليق إلا بالله ، والأقرب في الجواب أن يقال قوله: { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } أي ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، فإن تخصيص العموم غير بعيد لاسيما عند حصول القرينة ، فإن قوله: { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } إنما ذكره لبيان أنه تعالى لا ينفعهم ولا يقيم لهم وزنًا ، وذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب .

السؤال الثاني: دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبدًا ، فتلك الزيادة إما أن يقال: إنها كانت مستحقة لهم أو غير مستحقة ، فإن كانت مستحقة لهم كان تركها في أول الأمر إحسانًا ، والكريم إذا أسقط حق نفسه ، فإنه لا يليق به أن يسترجعه بعد ذلك ، وأما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة كان إيصالها إليهم ظلمًا وإنه لا يجوز على الله الجواب: كما أن الشيء يؤثر بحسب خاصية ذاته ، فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام ، فلا جرم كلما كان الدوام أكثر كان الإيلام أكثر ، وأيضًا فتلك الزيادة مستحقة ، وتركها في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط ، والله علم بما أراد .

واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار وهو أمور:

أولها: قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت