فهرس الكتاب

الصفحة 6911 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اللام في { البصر } يحتمل وجهين أحدهما: المعروف وهو بصر محمد A ، أي ما زاغ بصر محمد ، وعلى هذا فعدم الزيغ على وجوه ، إن قلنا الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش ، فمعناه لم يتلفت إليه ولم يشتغل به ، ولم يقطع نظره عن المقصود ، وعلى هذا فغشيان الجراد والفراش يكون ابتلاء ، وامتحانًا لمحمد A . وإن قلنا أنوار الله ، ففيه وجهان أحدهما: لم يلتفت يمنة ويسرة ، واشتغل بمطالعتها وثانيهما: ما زاغ البصر بصعقة بخلاف موسى عليه السلام ، فإنه قطع النظر وغشي عليه ، وفي الأول: بيان أدب محمد A ، وفي الثاني: بيان قوته الوجه الثاني: في اللام أنه لتعريف الجنس ، أي ما زاغ بصر أصلًا في ذلك الموضع لعظمة الهيبة ، فإن قيل لو كان كذلك لقال ما زاغ بصر ، لأنه أدل على العموم ، لأن النكرة في معرض النفي تعم ، نقول هو كقوله { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } [ الأنعام: 103 ] ولم يقل لا يدركه بصر .

المسألة الثانية: إن كان المراد محمدًا ، فلو قال ما زاغ قلبه كان يحصل به فائدة قوله { مَا زَاغَ البصر } ؟ نقول لا ، وذلك لأن من يحضر عند ملك عظيم يرى من نفسه أنه يهابه ويرتجف إظهارًا لعظمته مع أن قلبه قوي ، فإذا قال: { مَا زَاغَ البصر } يحصل منه فائدة أن الأمر كان عظيمًا ، ولم يزغ بصره من غير اختيار من صاحب البصر .

المسألة الثالثة: { وَمَا طغى } عطف جملة مستقلة على جملة أخرى ، أو عطف جملة مقدرة على جملة ، مثال المستقلة: خرج زيد ودخل عمرو ، ومثال مقدرة: خرج زيد ودخل ، فنقول الوجهان جائزان أما الأول: فكأنه تعالى قال عند ظهور النور: ما زاغ بصر محمد A ، وما طغى محمد بسبب الالتفات ، ولو التفت لكان طاغيًا وأما الثاني: فظاهر على الأوجه ، أما على قولنا: غشي السدرة جراد فلم يلتفت إليه { وَمَا طغى } أي ما التفت إلى غير الله ، فلم يلتفت إلى الجراد ، ولا إلى غير الجراد سوى الله . وأما على قولنا غشيها نور ، فقوله { مَا زَاغَ } أي ما مال عن الأنوار { وَمَا طغى } أي ما طلب شيئًا وراءها وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ما زاغ وما طغى ، ولم يقل: ما مال وما جاوز ، لأن الميل في ذلك الموضع والمجاوزة مذمومان ، فاستعمل الزيغ والطغيان فيه ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون ذلك بيانًا لوصول محمد A إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه ، ووجه ذلك أن بصر محمد A { مَا زَاغَ } أي ما مال عن الطريق ، فلم ير الشيء على خلاف ما هو عليه ، بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلًا ، ثم ينظر إلى شيء أبيض ، فإنه يراه أصفر أو أخضر يزيغ بصره عن جادة الأبصار { وَمَا طغى } ما تخيل المعدوم موجودًا فرأى المعدوم مجاوزًا الحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت