فهرس الكتاب

الصفحة 6280 من 8321

واعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل الإلهية والتوحيد ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: { خالق كُلّ شَىْء } [ الأنعام: 102 ] على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة ، فلا فائدة ههنا في الإعادة ، إلا أن الكعبي ذكر ههنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها ، فقال إن الله تعالى مدح نفسه بقوله { الله خالق كُلّ شَىْء } وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به ، وأيضًا فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد ، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام ، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه ، وأيضًا لفظة { كُلٌّ } قد لا توجب العموم لقوله تعالى: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل: 23 ] { تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء } [ الأحقاف: 25 ] وأيضًا لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله { كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } [ البقرة: 109 ] ولما صح قوله { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } [ آل عمران: 78 ] ولما صح قوله { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا } [ ص: 27 ] فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره ، وقال الجبائي: { الله خالق كُلّ شَىْء } سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب ، ولو كانت أفعالهم خلقًا لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم ، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد ، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل ، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجدًا له .

واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام ، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب ، والله أعلم .

أما قوله تعالى: { وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك ، وهذا أيضًا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلًا عليه ، وذلك ينافي عموم الآية .

ثم قال تعالى: { لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية ، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها ، ومنه قولهم: فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح ، قال صاحب «الكشاف» : ولا واحد لها من لفظها ، وقيل مقليد ومقاليد ، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح ، وقيل إقليد وأقاليد ، قال صاحب «الكشاف» : والكلمة أصلها فارسية ، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت