فهرس الكتاب

الصفحة 5508 من 8321

اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تسلية رسوله أولًا ، ثم أقام الحجة على نبوته ، ثانيًا ثم أورد سؤال المنكرين ، وأجاب عنه ثالثًا ، أمره بعد ذلك بما يتعلق بباب التبليغ والرسالة وهو ههنا أمور ثلاثة: الأول: قوله: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } وذلك لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعده إن دعا مع الله إلهًا آخر ، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب ، وذلك لأنه إذا تشدد على نفسه أولًا ، ثم بالأقرب فالأقرب ثانيًا ، لم يكن لأحد فيه طعن ألبتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع ، وروي « أنه لما نزلت هذه الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب وقال: يا بني عبد المطلب ، يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، يا عباس عم محمد ، يا صفية عمة محمد؛ إني لا أملك لكم من الله شيئًا ، سلوني من المال ما شئتم » وروي « أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلًا على رجل شاة وقعب من لبن ، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس ، فأكلوا وشربوا ، ثم قال يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلًا ، أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد »

الثاني: قوله: { واخفض جَنَاحَكَ } واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلًا في التواضع ولين الجانب ، فإن قيل المتبعون للرسول هم المؤمنون وبالعكس فلم قال: { لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } ؟ جوابه: لا نسلم أن المتبعين للرسول هم المؤمنون فإن كثيرًا منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين .

فأما قوله: { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } فمعناه ظاهر ، قال الجبائي هذا يدل على أنه عليه السلام كان بريئًا من معاصيهم ، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضًا بريء من عملهم كالرسول وإلا كان مخالفًا لله ، كما لو رضي عمن سخط الله عليه لكان كذلك ، وإذا كان تعالى بريئًا من عملهم فكيف يكون فاعلًا له ومريدًا له؟ الجواب: أنه تعالى بريء من المعاصي بمعنى أنه ما أمر بها بل نهى عنها ، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم والدليل عليه أنه علم وقوعها ، وعلم أن ما هو معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع وإلا لانقلب علمه جهلًا وهو محال والمفضي إلى المحال محال ، وعلم أن ما هو واجب الوقوع فإنه لا يراد عدم وقوعه فثبت ما قلناه والثالث: قوله: { وَتَوَكَّلْ } والتوكل عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره ، وقوله: { عَلَى العزيز الرحيم } أي على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته ثم أتبع كونه رحيمًا على رسوله ما هو كالسبب لتلك الرحمة ، وهو قيامه وتقلبه في الساجدين وفيه وجوه: أحدها: المراد ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال ( المجتهدين ) ليطلع على أسرارهم ، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه على ما يوجد منهم من الطاعات ، فوجدها كبيوت الزنابير لما يسمع منها من دندنتهم بذكر الله تعالى والمراد بالساجدين المصلين وثانيها: المعنى يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة وتقلبه في الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذ كان إمامًا لهم وثالثها: أنه لا يخفى عليه حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين ورابعها: المراد تقلب بصره فيمن ( يصلي ) خلفه من قوله A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت