فهرس الكتاب

الصفحة 8229 من 8321

ثم قال تعالى: { فَذَلِكَ الذى يَدُعُّ اليتيم * وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } .

واعلم أنه تعالى ذكر في تعريف من يكذب الدين وصفين أحدهما: من باب الأفعال وهو قوله: { فَذَلِكَ الذى يَدُعُّ اليتيم } والثاني: من باب التروك وهو قوله: { وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } والفاء في قوله { فذلك } للسببية أي لما كان كافرًا مكذبًا كان كفره سببًا لدع اليتيم ، وإنما اقتصر عليهما على معنى أن الصادر عمن يكذب بالدين ليس إلا ذلك ، لأنا نعلم أن المكذب بالدين لا يقتصر على هذين بل على سبيل التمثيل ، كأنه تعالى ذكر في كل واحد من القسمين مثالًا واحدًا تنبيهًا بذكره على سائر القبائح ، أو لأجل أن هاتين الخصلتين ، كماأنهما قبيحان منكران بحسب الشرع فهما أيضًا مستنكران بحسب المروءة والإنسانية ، أما قوله: { يَدُعُّ اليتيم } فالمعنى أنه يدفعه بعنف وجفوة كقوله: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [ الطور: 13 ] وحاصل الأمر في دع اليتيم أمور أحدها: دفعه / عن حقه وماله بالظلم والثاني: ترك المواساة معه ، وإن لم تكن المواساة واجبة . وقد يذم المرء بترك النوافل لاسيما إذا أسند إلى النفاق وعدم الدين والثالث: يزجره ويضربه ويستخف به ، وقرىء ( يدع ) أي يتركه ، ولا يدعوه بدعوة ، أي يدعوا جميع الأجانب ويترك اليتيم مع أنه E قال: « ما من مائدة أعظم من مائدة عليها يتيم » وقرىء يدعو اليتيم أي يدعوه رياء ثم لا يطعمه وإنما يدعوه استخدامًا أو قهرًا أو استطالة .

واعلم أن في قوله: { يَدُعُّ } بالتشديد فائدة ، وهي أن يدع بالتشديد معناه أنه يعتاد ذلك فلا يتناول الوعيد من وجد منه ذلك وندم عليه ، ومثله قوله تعالى: { الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم } [ النجم: 32 ] سمى ذنب المؤمن لممًا لأنه كالطيف والخيال يطرأ ولا يبقى ، لأن المؤمن كما يفرغ من الذنب يندم ، إنما المكذب هو الذي يصر على الذنب .

أما قوله: { وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } ففيه وجهان أحدهما: أنه لا يحض نفسه على طعام المسكين وإضافة الطعام إلى المسكين تدل على أن ذلك الطعام حق المسكين ، فكأنه منع المسكين مما هو حقه ، وذلك يدل على نهاية بخله وقساوة قلبه وخساسة طبعه والثاني: لا يحض غيره على إطعام ذلك المسكين بسبب أنه لا يتقد في ذلك الفعل ثوابًا ، والحاصل أنه تعالى جعل علم التكذيب بالقيامة الإقدام على إيذاء الضعيف ومنع المعروف ، يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لما صدر عنه ذلك ، فموضع الذنب هو التكذيب بالقيامة ، وههنا سؤالان:

السؤال الأول: أليس قد لا يحض المرء في كثير من الأحوال ولا يكون آثمًا؟ الجواب: لأنه غيره ينوب منابه أو لأنه لا يقبل قوله أو لمفسدة أخرى يتوقعها ، أما ههنا فذكر أنه لا يفعل ذلك ( إلا ) لما أنه مكذب بالدين .

السؤال الثاني: لم لم يقل: ولا يطعم المسكين؟ والجواب: إذا منع اليتيم حقه فكيف يطعم المسكين من مال نفسه ، بل هو بخيل من مال غيره ، وهذا هو النهاية في الخسة ، فلأن يكون بخيلًا بمال نفسه أولى ، وضده في مدح المؤمنين: { وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة } [ البلد: 17 ] { وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر . } [ العصر: 3 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت