اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال: { وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } [ الزمر: 70 ] بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب ، ثم كيفية أحوال أهل الثواب وختم السورة .
أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية ، وهو قوله { وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا } قال ابن زيدان: سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف والدفع ، والدليل عليه قوله تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [ الطور: 13 ] أي يدفعون دفعًا ، نظيره قوله تعالى: { فَلِذَلِكَ الذى يَدُعُّ اليتيم } [ الماعون: 2 ] أي يدفعه ، ويدل عليه قوله تعالى: { وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا } [ مريم: 86 ] .
وأما الزمر ، فهي الأفواج المتفرقة بعض في أثر بعض ، فبين الله تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها ، وهذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها ، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } أي من جنسكم { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم؟ قلنا أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار ، لا يوم القيامة ، واستعمال لفظ اليوم والأيام في أوقات الشدة مستفيض ، فعند هذا تقول الكفار: بلى قد أتونا وتلوا علينا { ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } وفي هذه الآية مسألتان:
المسألة الأولى: تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب ، ومن حقت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه الخلاص من العذاب ، وهذا صريح في أن السعيد لا ينقلب شقيًا ، والشقي لا ينقلب سعيدًا ، وكلمات المعتزلة في دفع هذا الكلام معلومة ، وأجوبتنا عنها أيضًا معلومة .
المسألة الثانية: دلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع ، لأن الملائكة بينوا أنه ما بقي لهم علة ولا عذر بعد مجيء الأنبياء عليهم السلام ، ولو لم يكن مجيء الأنبياء شرطًا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة ، ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا فهم { ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } قالت المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنه حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة { فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } فائدة ، بل هذا الكلام إنما يبقى مقيدًا إذا قلنا إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ، ولم يلتفتوا إلى دلائلهم ، وذلك يدل على صحة قولنا ، والله أعلم بالصواب .