فهرس الكتاب

الصفحة 2258 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه ، وانما يريدون حكم غيره ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: الزعم والزعم لغتان ، ولا يستعملان في الاكثر الا في القول الذي لا يتحقق . قال الليث: أهل العربية يقولون زعم فلان اذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ، فكذلك تفسير قوله: { هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أي بقولهم الكذب . قال الاصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا ، وقال ابن الاعربي: الزعم يستعمل في الحق ، وأنشد لأمية بن الصلت

وأنّي أدين لكم أنه ... سينجزكم ربكم ما زعم

اذا عرفت هذا فنقول: الذي في هذه الآية المراد به الكذب ، لأن الآية نزلت في المنافقين .

المسألة الثانية: ذكروا في أسباب النزول وجوها: الأول: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم ، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الاشرف ، والسبب في ذلك أن الرسول A كان يقضي بالحق ولا يلتفت الى الرشوة ، وكعب بن الاشرف كان شديد الرغبة في الرشوة ، واليهودي كان محقا ، والمنافق كان مبطلا ، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم الى الرسول ، والمنافق كان يريد كعب بن الاشرف ، ثم أصر اليهودي على قوله ، فذهبا اليه A ، فحكم الرسول E لليهودي على المنافق ، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا الى أبي بكر ، فحكم أبو بكر Bه لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال المنافق: بيني وبينك عمر ، فصارا الى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول E وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق: أهكذا فقال نعم ، قال: اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج اليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج اليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي ، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي A فسأل عمر عن قصته ، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله ، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال: انه الفاروق فرق بين الحق والباطل ، فقال النبي A لعمر: « أنت الفاروق » وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف .

الرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به ، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر ، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء الخزرج ، فلما هاجر الرسول E إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه ، فقالت بنو النضير: لا قصاص علينا ، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل ، وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ، ونحن وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ولا فضل بيننا ، فأبي بنو النضير ذلك ، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ، وقال المسلمون: بل الى رسول الله A ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ودعا الرسول E الكاهن إلى الاسلام فأسلم ، هذا قول السدي ، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت