اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إنكار البعث والحشر ، وأراد إقامة الدلالة على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه تعالى قادرًا على جميع الممكنات عالمًا بجميع المعلومات ، وذلك لأنه مهما ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث ، وإنما أثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعًا من مخلوقاته الواقعة على وجه الإحكام والإتقان ، فإن تلك الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة ، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم ، ومتى ثبت هذان الأصلان وثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات والأعراض ، ثبت لا محالة كونه تعالى قادرًا على تخريب الدنيا بسمواتها وكواكبها وأرضها ، وعلى إيجاد عالم الآخرة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية النظم .
واعلم أنه تعالى ذكر ههنا من عجائب مخلوقاته أمورًا فأولها: قوله: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا } والمهاد مصدر ، ثم ههنا احتمالات أحدها: المراد منه ههنا الممهود ، أي ألم نجعل الأرض ممهودة وهذا من باب تسمية المفعول بالمصدر ، كقولك هذا ضرب الأمير وثانيها: أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر ، كما تقول: زيد جود وكرم وفضل ، كأنه لكماله في تلك الصفة صارعين تلك الصفة وثالثها: أن تكون بمعنى ذات مهاد ، وقرىء مهدًا ، ومعناه أن الأرض للخلق كالمهد للصبي ، وهو الذي مهد له فينوم عليه .
واعلم أنا ذكرنا في تفسير سورة البقرة عند قوله: { جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشًا } [ البقرة: 22 ] كل ما يتعلق من الحقائق بهذه الآية . وثانيها قوله تعالى: