فهرس الكتاب

الصفحة 5074 من 8321

اعلم أن قوله: { إِنَّكُمْ } خطاب لمشركي مكة وعبدة الأوثان .

أما قوله تعالى: { وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } روي أنه عليه السلام دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله A فأفحمه ثم تلا عليهم: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآية فأقبل عبد الله بن الزبعري فرآهم يتهامسون فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله A ، فقال عبد الله أما والله لو وجدته لخصمته فدعوه ، فقال ابن الزبعري أأنت قلت ذلك؟ قال نعم ، قال قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرًا والنصارى عبدوا المسيح وبنوا مليح عبدوا الملائكة ثم روي في ذلك روايتان: إحداهما: أن رسول الله A سكت ولم يجب فضحك القوم فنزل قوله تعالى: { وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُواْ أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } [ الزخرف: 57 ، 58 ] ونزل في عيسى والملائكة: { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } [ الأنبياء: 101 ] الآية هذا قول ابن عباس . الرواية الثانية: أنه عليه السلام أجاب وقال بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله سبحانه: { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } [ الأنبياء: 101 ] الآية يعني عزيرًا والمسيح والملائكة واعلم أن سؤال ابن الزبعري ساقط من وجوه: أحدها: أن قوله: { إِنَّكُمْ } خطاب مشافهة وكان ذلك مع مشركي مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط . وثانيها: أنه لم يقل ومن تعبدون بل قال ما تعبدون وكلمة ما لا تتناول العقلاء .

أما قوله تعالى: { والسماء وَمَا بناها } [ الشمس: 5 ] وقوله: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } [ الكافرون: 2 ] فهو محمول على الشيء ونظيره ههنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعري . وثالثها: أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة ، وقال سبحانه: { لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } . ورابعها: هب أنه ثبت العموم لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي ، ووعد الله إياهم بكل مكرمة ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه: { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [ الأنبياء: 101 ] . وخامسها: الجواب الذي ذكره رسول الله A وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين ، فإن قيل الشياطين عقلاء ، ولفظ ما لا يتناولهم فكيف قال الرسول A ذلك؟ قلنا كأنه عليه السلام قال: لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضًا غير لازم من هذا الوجه . وأما ما قيل: إنه عليه السلام سكت عند إيراد ابن الزبعري هذا السؤال فهو خطأ لأنه لا أقل من أنه عليه السلام كان يتنبه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون ، لأنه عليه السلام كان أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن ، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره ، ولا يظهر شيء منها له عليه السلام . فإن قيل: جوزوا أن يسكت عليه السلام انتظارًا للبيان قلنا: لما كان البيان حاضرًا معه لم يجز عليه السكوت لكي لا يتوهم فيه الانقطاع عن سؤالهم ، ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعري فقال: إن الله تعالى يصور لهم في النار ملكًا على صورة من عبدوه ، وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها واعلم أن هذا ضعيف من وجهين . الأول: أن القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئًا آخر لم يحصل معهم في النار . الثاني: وهو أن الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة وإن صح أن يدخلها ، فإن خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت