وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلفوا في الخطاب في قوله: { وَمَا أَدْرَاكَ } فقال بعضهم: هو خطاب للكافر على وجه الزجر له ، وقال الأكثرون: إنه خطاب للرسول ، وإنما خاطبه بذلك لأنه ما كان عالمًا بذلك قبل الوحي .
المسألة الثانية: الجمهور على أن التكرير في قوله: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين } لتعظيم ذلك اليوم ، وقال الجبائي: بل هو لفائدة مجددة ، إذ المراد بالأول أهل النار ، والمراد بالثاني أهل الجنة ، كأنه قال: وما أدراك ما يعامل به الفجار في يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يعامل به الأبرار في يوم الدين؟ وكرر يوم الدين تعظيمًا لما يفعله تعالى من الأمرين بهذين الفريقين .
المسألة الثالثة: في: { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } قراءتان الرفع والنصب ، أما الرفع ففيه وجهان أحدهما: على البدل من يوم الدين والثاني: أن يكون بإضمار هو فيكون المعنى هو يوم لا تملك ، وأما النصب ففيه وجوه أحدها: بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه وثانيها: بإضمار اذكروا وثالثها: ما ذكره الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح لإضافته إلى قوله: { لاَ تَمْلِكُ } وما أضيف إلى غير المتمكن قد يبنى على الفتح ، وإن كان في موضع رفع أو جر كما قال:
لم يمنع الشرب منهم غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أو قال
فبنى غير على الفتح لما أضيف إلى قوله إن نطقت ، قال الواحدي: والذي ذكره الزجاج من البناء على الفتح إنما يجوز عند الخليل وسيبويه ، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي ، نحو قولك على حين عاتبت ، أما مع الفعل المستقبل ، فلا يجوز البناء عندهم ، ويجوز ذلك في قول الكوفيين ، وقد ذكرنا هذه المسألة عند قوله: { هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } [ المائدة: 119 ] ورابعها: ما ذكره أبو علي وهو أن اليوم لما جرا في أكثر الأمر ظرفًا ترك على حالة الأكثرية ، والدليل عليه إجماع القراء والعرب في قوله: { مّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } [ الأعراف: 168 ] ولا يرفع ذلك أحد . ومما يقوي النصب قوله: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة * يَوْمَ يَكُونُ الناس } [ القارعة: 4 3 ] وقوله: { يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين * يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } [ الذاريات: 13 12 ] فالنصب في { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } مثل هذا .
المسألة الرابعة: تمسكوا في نفي الشفاعة للعصاة بقوله: { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا } وهو كقوله تعالى: { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } [ البقرة: 48 ] والجواب: عنه قد تقدم في سورة البقرة .
المسألة الخامسة: أن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم بعضًا في أمور ، ويحمي بعضهم بعضًا ، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى الدنيا وزالت رياستهم ، فلا يحمي أحد أحدًا ، ولا يغني أحد عن أحد ، ولا يتغلب أحد على ملك ، ونظيره قوله: { والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وقوله: