اعلم أن قوله: { تِلْكَ } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات . والمراد بالكتاب والقرآن المبين الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمدًا A وتنكير القرآن للتفخيم ، والمعنى: تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابًا وفي كونه قرآنًا مفيدًا للبيان .
أما قوله: { رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم { رُّبَمَا } خفيفة الباء والباقون مشددة قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما ، وقيس وبكر يثقلونها ، وأقول في هذه اللفظة لغات ، وذلك لأن الراء من رب وردت مضمومة ومفتوحة ، أما إذا كانت مضمومة فالباء قد وردت مشددة ومخففة وساكنة وعلى كل التقديرات تارة مع حرف ما ، وتارة بدونها وأيضًا تارة مع التاء وتارة بدونها وأنشدوا:
أسمى ما يدريك أن رب فتية ... باكرت لذتهم بأذكر مسرع
ورب بتسكين الباء وأنشدوا بيت الهذلي:
أزهير أن يشب القذال فإنني ... رب هيضل مرس كففت بهيضل
والهيضل جماعة متسلحة ، وأيضًا هذه الكلمة قد تجيء حالتي تشديد الباء وتخفيفها مع حرف «ما» كقولك: ربما وربما وتارة مع التاء ، وحرف «ما» كقولك: ربتما وربتما هذا كله إذا كانت الراء من رب مضمومة وقد تكون مفتوحة ، فيقال: رب وربما وربتما حكاه قطرب قال أبو علي: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث ، نحو: ثم وثمت ، ورب وربت ، ولا ولات ، فهذه اللغات بأسرها رواها الواحدي في «البسيط» .
المسألة الثانية: رب حرف جر عند سيبويه ، ويلحقها «ما» على وجهين: أحدهما: أن تكون نكرة بمعنى شيء ، وذلك كقوله:
رب ما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة ، فإن المعنى رب شيء تكرهه النفوس وإذا عاد الضمير إليه كان اسمًا ولم يكن حرفًا ، كما أن قوله تعالى: { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } [ المؤمنون: 55 ] لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم ، ومما يدل على أن «ماء» قد يكون اسمًا إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر:
يا رب من ينقص أزوادنا ... رحن على نقصانه واغتدين
فكما دخلت رب على كلمة «من» وكانت نكرة ، فكذلك تدخل على كلمة ( ما ) فهذا ضرب والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية والنحويون يسمون ما هذه الكافة يريدون أنها بدخلوها كفت الحرف عن العمل الذي كان له ، وإذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه ، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الإسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك ولا تدخل على الفعل ، فلما دخلت «ما» عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية ، والله أعلم .