فهرس الكتاب

الصفحة 4435 من 8321

اعلم أنه تعالى لما شرح أنواعًا كثيرة في دلائل التوحيد ، وتلك الأنواع كما أنها دلائل على صحة التوحيد ، فكذلك بدأ بذكر أقسام النعم الجليلة الشريفة ، ثم أتبعها في هذه الآية بالرد على عبدة الأصنام فقال: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ السموات والأرض شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فيعني به الغيث الذي يأتي من جهة السماء ، وأما الذي يأتي من جانب الأرض فهو النبات والثمار التي تخرج منها وقوله: { مِنْ السموات والأرض } من صفة النكرة التي هي قوله: { رِزْقًا } كأنه قيل: لا يملك لهم رزقًا من الغيث والنبات وقوله: { شَيْئًا } قال الأخفش: جعل قوله: { شَيْئًا } بدلًا من قوله: { رِزْقًا } والمعنى: لا يملكون رزقًا لا قليلًا ولا كثيرًا ، ثم قال: { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } والفائدة في هذه اللفظة أن من لا يملك شيئًا قد يكون موصوفًا باستطاعته أن يتملكه بطريق من الطرق ، فبين تعالى أن هذه الأصنام لا تملك وليس لها أيضًا استطاعة تحصيل الملك .

فإن قيل: إنه تعالى قال: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ } فعبر عن الأصنام بصيغة «ما» وهي لغير أولي العلم ، ثم قال: { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } والجمع بالواو والنون مختص بأولى العلم فكيف الجمع بين الأمرين؟

والجواب: أنه عبر عنها بلفظ «ما» اعتبارًا لما هو الحقيقة في نفس الأمر وذكر الجمع بالواو والنون اعتبارًا لما يعتقدون فيها أنها آلهة .

ثم قال تعالى: { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال } وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: يعني لا تشبهوه بخلقه . الثاني: قال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مثلًا ، لأنه واحد لا مثل له . والثالث: أقول يحتمل أن يكون المراد أن عبدة الأوثان كانوا يقولون: إن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هذه الأصنام ، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم ، والدليل عليه العرف ، فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا ههنا فعند هذا قال الله تعالى لهم اتركوا عبادة هذه الأصنام والكواكب ولا تضربوا لله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله الحكيم القدير .

ثم قال: { إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه وجهان: الأول: أن الله تعالى يعلم ما عليكم من العقاب العظيم ، بسبب عبادة هذه الأصنام وأنتم لا تعلمون ذلك ، ولو علمتموه لتركتم عبادتها . الثاني: أن الله تعالى لما نهاكم عن عبادة هذه الأصنام فاتركوا عبادتها ، واتركوا دليلكم الذي عولتم عليه وهو قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك ، لأن هذا قياس ، والقياس يجب تركه عند ورود النص ، فلهذا قال: { إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت