فهرس الكتاب

الصفحة 6944 من 8321

وقوله تعالى: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ موسى * وإبراهيم الذى وفى } حال أخرى مضادة للأولى يعذر فيها المتولي وهو الجهل المطلق فإن من علم الشيء علمًا تامًا لا يؤمر بتعلمه ، والذي جهله جهلًا مطلقًا وهو الغافل على الإطلاق كالنائم أيضًا لا يؤمر فقال: هذا المتولي هل علم الكل فجاز له التولي أولم يسمع شيئًا وما بلغه دعوة أصلًا فيعذر ، ولا واحد من الأمرين بكائن فهو في التولي غير معذور ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: { بِمَا وفى } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما فيها لا بصفة كونه فيها ، فكأنه تعالى يقول: أم لم ينبأ بالتوحيد والحشر وغير ذلك ، وهذه أمور مذكورة في صحف موسى ، مثال: يقول القائل لمن توضأ بغير الماء توضأ بما توضأ به النبي A وعلى هذا فالكلام مع الكل لأن المشرك وأهل الكتاب نبأهم النبي A بما في صحف موسى ثانيهما: أن المراد بما في الصحف مع كونه فيها ، كما يقول القائل فيما ذكرنا من المثال توضأ بما في القربة لا بما في الجرة فيريد عين ذلك لا جنسه وعلى هذا فالكلام مع أهل الكتاب لأنهم الذين نبئوا به .

المسألة الثانية: صحف موسى وإبراهيم ، هل جمعها لكونها صحفًا كثيرة أو لكونها مضافة إلى اثنين كما قال تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم: 4 ] ؟ الظاهر أنها كثيرة ، قال الله تعالى: { وَأَخَذَ الألواح } [ الأعراف: 154 ] وقال تعالى: { وَأَلْقَى الألواح } [ الأعراف: 150 ] وكل لوح صحيفة .

المسألة الثالثة: ما المراد بالذي فيها؟ نقول قوله تعالى: { أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى * وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } [ النجم: 38 ، 39 ] وما بعده من الأمور المذكورة على قراءة من قرأ أن بالفتح وعلى قراءة من يكسر ويقول: { وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } [ النجم: 42 ] ففيه وجوه أحدها: هو ما ذكر بقوله: { أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى } وهو الظاهر ، وإنما احتمل غيره ، لأن صحف موسى وإبراهيم ليس فيها هذا فقط ، وليس هذا معظم المقصود بخلاف قراءة الفتح ، فإن فيها تكون جميع الأصول على ما بين ثانيها: هو أن الآخرة خير من الأولى يدل عليه قوله تعالى: { إِنَّ هذا لَفِى الصحف الأولى * صُحُفِ إبراهيم وموسى } [ الأعلى: 18 ، 19 ] ثالثها: أصول الدين كلها مذكورة في الكتب بأسرها ، ولم يخل الله كتابًا عنها ، ولهذا قال لنبيه A: { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام: 90 ] وليس المراد في الفروع ، لأن فروع دينه مغايرة لفروع دينهم من غير شك .

المسألة الرابعة: قدم موسى ههنا ولم يقل كما قال في { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } [ الأعلى: 1 ] فهل فيه فائدة؟ نقول: مثل هذا في كلام الفصحاء لا يطلب له فائدة ، بل التقديم والتأخير سواء في كلامهم فيصح أن يقتصر على هذا الجواب ، ويمكن أن يقال: إن الذكر هناك لمجرد الإخبار والإنذار وههنا المقصود بيان انتفاء الأعذار ، فذكر هناك على ترتيب الوجود صحف إبراهيم قبل صحف موسى في الإنزال ، وأما ههنا فقد قلنا إن الكلام مع أهل الكتاب وهم اليهود فقدم كتابهم ، وإن قلنا الخطاب عام فصحف موسى عليه السلام كانت كثيرة الوجود ، فكأنه قيل لهم انظروا فيها تعلموا أن الرسالة حق ، وأرسل من قبل موسى رسل والتوحيد صدق والحشر واقع فلما كانت صحف موسى عند اليهود كثيرة الوجود قدمها ، وأما صحف إبراهيم فكانت بعيدة وكانت المواعظ التي فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى فأخر ذكرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت