فهرس الكتاب

الصفحة 5174 من 8321

اعلم أن الماء في نفسه نعمة وأنه مع ذلك سبب لحصول النعم فلا جرم ذكره الله تعالى أولًا ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانيًا .

أما قوله تعالى: { وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ } فقد اختلفوا في السماء فقال الأكثرون من المفسرين إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء وهو الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله: { وَفِي السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [ الذاريات: 22 ] وقال بعضهم المراد السحاب وسماه سماء لعلوه ، والمعنى أن الله تعالى أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد ، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكون ثم ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه ، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الأرض ولا بماء البحار لملوحته ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض لأن البحار هي الغاية في العمق ، واعلم أن هذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار فأما من أقربه فلا حاجة به إلى شيء منها .

أما قوله تعالى: { بِقَدَرٍ } فمعناه بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب ، أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم .

أما قوله: { فَأَسْكَنَّاهُ فِى الأرض } قيل معناه جعلناه ثابتًا في الأرض ، قال ابن عباس Bهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل ، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضًا القرآن .

أماقوله: { وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون } أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه وإزالته ، قال صاحب «الكشاف» وقوله: { على ذَهَابٍ بِهِ } من أوقع النكرات وأخرها للفصل . والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه . وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في الإيعاد من قوله: { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ } [ الملك: 30 ] ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال: { فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب } وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الأدام ومقام الفواكه رطبًا ويابسًا وقوله: { لَّكُمْ فِيهَا فواكه كَثِيرَةٌ } أي في الجنات ، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله: { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } قال صاحب «الكشاف» يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه ، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت