في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه كان يقال لملوك مصر: الفراعنة ، كما يقال لملوك فارس: الأكاسرة ، فكأنه قال: يا ملك مصر ، وكان اسمه قايوس ، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان .
المسألة الثانية: قوله: { إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبِّ العالمين } فيه إشارة إلى ما يدل على وجود الإله تعالى . فإن قوله: { رَبّ العالمين } يدل على أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ، وإله يوجده ويخلقه .
ثم قال: { حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لآ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق } والمعنى أن الرسول لا يقول إلا الحق ، فصار نظم الكلام . كأنه قال: أنا رسول الله ، ورسول الله لا يقول إلا الحق ، ينتج أني لا أقول إلا الحق ، ولما كانت المقدمة الأولى خفية ، وكانت المقدمة الثانية جلية ظاهرة ، ذكر ما يدل على صحة المقدمة الأولى ، وهو قوله: { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وهي المعجزة الظاهرة القاهرة . ولما قرر رسالة نفسه فرع عليه تبليغ الحكم ، وهو قوله: { فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسراءيل } ولما سمع فرعون هذا الكلام قال: { إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ } واعلم أن دليل موسى عليه السلام كان مبنيًا على مقدمات: إحداها: أن لهذا العالم إلهًا قادرًا عالمًا حكيمًا . والثانية: أنه أرسله إليهم بدليل أنه أظهر المعجز على وفق دعواه ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون رسولًا حقًا . والثالثة: أنه متى كان الأمر كذلك كان كل ما يبلغه من الله إليهم ، فهو حق وصدق . ثم إن فرعون ما نازعه في شيء من هذه المقدمات إلا في طلب المعجزة ، وهذا يوهم أنه كان مساعدًا على صحة سائر المقدمات ، وقد ذكرنا في سورة طه أن العلماء اختلفوا في أن فرعون هل كان عارفًا بربه أم لا؟ ولمجيب أن يجيب ، فيقول: إن ظهور المعجزة يدل أولًا على وجود الإله القادر المختار ، وثانيًا: على أن الإله جعله قائمًا مقام تصديق ذلك الرسول ، فلعل فرعون كان جاهلًا بوجود الإله القادر المختار ، وطلب منه إظهار تلك البينة حتى أنه إن أظهرها وأتى بها كان ذلك دليلًا على وجود الإله أولًا ، وعلى صحة نبوته ثانيًا ، وعلى هذا التقدير: لا يلزم من اقتصار فرعون على طلب البينة ، كونه مقرًا بوجود الإله الفاعل المختار .
المسألة الثالثة: قرأ نافع { حقيق عَلَىَّ } مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف . أما قراءة نافع { فحقيق } يجوز أن يكون بمعنى فاعل . قال الليث: حق الشيء معناه وجب ، ويحق عليك أن تفعل كذا ، وحقيق علي أن أفعله ، بمعنى فاعل . والمعنى: واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول ، وضع فعيل في موضع مفعول . تقول العرب: حق علي أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيرًا ، أي حق علي ذلك بمعنى استحق .