فهرس الكتاب

الصفحة 4265 من 8321

اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أن يصونه عن الشرك ، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة ، وما يدل على صفة يوم القيامة ، أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون } فالمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم ، لزم أن يكون إما غافلًا عن ذلك الظالم أو عاجزًا عن الإنتقام ، أو كان راضيًا بذلك الظلم ، ولما كانت الغفلة والعجز والرضا بالظلم محالًا على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم .

فإن قيل: كيف يليق بالرسول A أن يحسب الله موصوفًا بالغفلة؟

والجواب من وجوه: الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلًا ، كقوله: { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام: 14 ] . { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ } [ القصص: 88 ] وكقوله: { يا أيها الذين آمنوا } . والثاني: أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الإنتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم ، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلومًا لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالًا . والثالث: أن المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير . الرابع: أن يكون هذا الكلام وإن كان خطابًا مع النبي A في الظاهر ، إلا أنه يكون في الحقيقة خطابًا مع الأمة ، وعن سفيان بن عيينة: أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات .

الصفة الأولى: أنه تشخص فيه الأبصار . يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا يطرفها ، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة .

والصفة الثانية: قوله: { مُهْطِعِينَ } وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة:

القول الأول: قال أبو عبيدة هو الإسراع . يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع وعلى هذا الوجه ، فالمعنى: أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصًا من شدة الخوف أن يبقى واقفًا ، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد ، فإنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مهطعين ، أي مسرعين نحو ذلك البلاء .

القول الثاني: في الإهطاع قال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع .

والقول الثالث: المهطع الساكت .

والقول الرابع: قال الليث: يقال للرجل إذا قر وذل أهطع .

الصفة الثالثة: قوله: { مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } والإقناع رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع ، فقوله: { مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } أي رافعي رؤوسهم والمعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه ، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد وأنهم يرفعون رؤوسهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت