وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي: قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: { إِنَّ المصدقين والمصدقات } بالتخفيف ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: { إِنَّ المصدقين والمصدقات } بتشديد الصاد فيهما ، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن ، فيكون المعنى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة ، ثم قالوا: وهذه القراءة أولى لوجهين الأول: أن من تصدق لله وأقرض إذا لم يكن مؤمنًا لم يدخل تحت الوعد ، فيصير ظاهر الآية متروكًا على قراءة التشديد ، ولا يصير متروكًا على قراءة التخفيف والثاني: أن المتصدق هو الذي يقرض الله ، فيصير قوله: { إِنَّ المصدقين والمصدقات } وقوله: { وَأَقْرِضُواُ الله } شيئًا واحدًا وهو تكرار ، أما على قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار ، وحجة من نقل وجهان أحدهما: أن في قراءة أبي: { إن المتصدقين والمتصدقات } بالتاء والثاني: أن قوله: { وَأَقْرَضُواُ الله قَرْضًا حَسَنًا } اعتراض بين الخبر والمخبر عنه ، والاعتراض بمنزلة الصفة ، فهو للصدقة أشد ملازمة منه للتصديق ، وأجاب الأولون: بأنا لا نحمل قوله: { وَأَقْرَضُواُ } على الاعتراض ، ولكنا نعطفه على المعنى ، ألا ترى أن المصدقين والمصدقات معناه: إن الذين صدقوا ، فصار تقدير الآية: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله .
المسألة الثانية: في الآية إشكال وهو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما الفائدة في التزامه ههنا؟ قال صاحب الكشاف قوله: { وَأَقْرَضُواُ } معطوف على معنى الفعل في المصدقين ، لأن اللام بمعنى الذين ، واسم الفاعل بمعنى صدقوا ، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا ، واعلم أن هذا لا يزيل الإشكال فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ ، والذي عندي فيه أن الألف واللام في المصدقين والمصدقات للمعهود ، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا الوصف ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة وهو الإتيان بالقرض الحسن ، ثم ذكر الخبر بعد ذلك وهو قوله: { يُضَاعَفُ لَهُمُ } فقوله: { وَأَقْرَضُواُ الله } هو المسمى بحشو اللوزنج كما في قوله:
إن الثمانين وبلغتها ... ( قد أحوجت سمعي إلى ترجمان )
المسألة الثالثة: من قرأ: { المصدقين } بالتشديد اختلفوا في أن المراد هو الواجب أو التطوع أو هما جميعًا ، أو المراد بالتصدق الواجب وبالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك فكل هذه الاحتمالات مذكورة ، أما قوله: { يضاعف لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } فقد تقدم القول فيه .