فهرس الكتاب

الصفحة 2307 من 8321

اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة ، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد ، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد ، عاد في هذه الآية إلى الامر بالجهاد فقال: { فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: الفاء في قوله: { فَقَاتِلْ } بماذا تتعلق؟ فيه وجوه: الأول: أنها جواب لقوله: { وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ } [ النساء: 74 ] من طريق المعنى لأنه يدل على معنى إن أردت الفوز فقاتل الثاني: أن يكون متصلا بقوله: { وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله } [ النساء: 75 ] { فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله } [ النساء: 84 ] والثالث: أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين ، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا ، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم ، بل قاتل .

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد الرسول A اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت هذه الآية ، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يتبعوه لخرج وحده .

المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه A كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو A موصوف بهذه الصفات ، ولقد اقتدى به أبو بكر Bه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه .

ثم قال تعالى: { لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { لاَ تُكَلَّفُ } بالجزم على النهي . و { لاَ نُكَلّفُ } بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها .

المسألة الثانية: قال الواحدي C . انتصاب قوله: { نَّفْسَكَ } على مفعول ما لم يسم فاعله .

المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة ، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك ، فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك .

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات ، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب ، بخلاف الرسول E فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى: { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة: 67 ] وبدليل قوله ههنا: { عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ } و «عسى» من الله جزم ، فلزمه الجهاد وإن كان وحده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت