اعلم أن هذا هو الحكم السادس من أحكام الطلاق ، وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في سبب نزول الآية وجهان الأول: روي أن معقل بن يسار زوج أخته جميل بن عبد الله بن عاصم ، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها ، ثم ندم فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك ، فقال لها معقل: إنه طلقك ثم تريدين مراجعته وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فدعا رسول الله A معقل بن يسار وتلا عليه هذه الآية فقال معقل: رغم أنفي لأمر ربي ، اللهم رضيت وسلمت لأمرك ، وأنكح أخته زوجها والثاني: روي عن مجاهد والسدي أن جابر ابن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وكان جابر يقول فيّ نزلت هذه الآية .
المسألة الثانية: العضل المنع ، يقال: عضل فلان ابنته ، إذا منعها من التزوج ، فهو يعضلها ويعضلها ، بضم الضاد وبكسرها وأنشد الأخفش:
وإن قصائدي لك فاصطنعني ... كرائم قد عضلن عن النكاح
وأصل العضل في اللغة الضيق ، يقال: عضلت المرأة إذا نشب الولد في بطنها ، وكذلك عضلت الشاة ، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم ، قال أوس بن حجر:
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ... معضلة منا بجيش عرمرم
وأعضل المريض الأطباء أي أعياهم ، وسميت العضلة عضلة لأن القوى المحركة منشؤها منها ، ويقال: داء عضال ، للأمر إذا اشتد ، ومنه قول أوس:
وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلًا
ولكنه النائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في أن قوله: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } خطاب لمن؟ فقال الأكثرون إنه خطاب للأولياء ، وقال بعضهم إنه خطاب للأزواج ، وهذا هو المختار ، الذي يدل عليه أن قوله تعالى: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } جملة واحدة مركبة من شرط وجزاء ، فالشرط قوله: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } والجزاء قوله: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } ولا شك أن الشرط وهو قوله: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } خطاب مع الأزواج ، فوجب أن يكون الجزاء وهو قوله: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } خطابًا معهم أيضًا ، إذ لو لم يكن كذلك لصار تقدير الآية: إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء وحيئنذٍ لا يكون بين الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلًا وذلك يوجب تفكك نظم الكلام وتنزيه كلام الله عن مثله واجب ، فهذا كلام قوي متين في تقرير هذا القول ، ثم إنه يتأكد بوجهين آخرين الأول: أن من أول آية في الطلاق إلى هذا الموضع كان الخطاب كله مع الأزواج ، وألبتة ما جرى للأولياء ذكر فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم والثاني: ما قبل هذه الآية خطاب مع الأزواج في كيفية معاملتهم مع النساء قبل انقضاء العدة ، فإذا جعلنا هذه الآية خطابًا لهم في كيفية معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدة كان الكلام منتظمًا ، والترتيب مستقيمًا ، أما إذا جعلناه خطابًا للأولياء لم يحصل فيه مثل هذا الترتيب الحسن اللطيف ، فكان صرف الخطاب إلى الأزواج أولى .